أنت تقرأ الآن:

الوجه القبيح للإيثار.. أنماط أنانية من العطاء

الوجه القبيح للإيثار.. أنماط أنانية من العطاء

دينا ظافر

تتجدد طاقتنا بعد ممارسة العطاء، ويبدو أن هذا الشعور بالرفرفة والخفة أو ما يسمى “بالتوهج الدافئ”، إحساس يتشارك فيه الجميع عندما يقدمون على عمل خير، سواء كان خالصًا لا هدف له سوى المساعدة، أو جاء انتظارًا لرد من الطرف المستفيد. هذا التوهج هو الرضا الذي تشعر به “لقيامك بدورك”.

وللعطاء صور مادية أو معنوية، مثل تقديم الوقت والاهتمام والتشجيع والمساندة عاطفية. ويتشابه العطاء في أثره على الدماغ مع تعاطي المواد المسببة للإدمان، فكلاهما ينشط مراكز المكافأة في المخ ويمنحك “الدماغ العالية”. لكن بعض صور العطاء تخفي وراءها أسبابًا أنانية تقبع أحيانًا في العقل الباطن. لنستعرض بعضًا من هذه النماذج، التي قد تتداخل أحيانًا.

عطاء يعقبه ندم

“ضيّعت عمري في خدمتكم”.. لعلك سمعت هذه الجملة من قبل، أو قلتها، أو ردّدتها في رأسك، وهي تعكس نمطًا أنانيًّا من العطاء، يعطي فيه الشخص كارهًا ثم يعود ليُذكّر الآخرين بتضحيته ويلتمس الشكر. قد تراه في الخالة التي توافق على رعاية أبناء أختها لبعض الوقت ثم تشكو من صعوبة المهمة، أو الموظف الذي يقبل مهام كثيرة ثم يتذمر من ثقل الحمل وقلة التقدير. 

يتميز هذا النوع من الأشخاص بالدخول في نوبات من الكرم يتبعها احتياج مغالى فيه إلى التقدير مع إحساس جارف بالإنهاك. هذا الشخص إنما يغدق عليك العطاء طلبًا لانتباهك وبحثًا عن قيمته في عينيك، وهو يجيد العطاء ولا يجيد الأخذ. ستجده يردد عبارات مثل: “لا أحد يشعر بتعبي”. رغم تضرره منه، فإن هذا الشخص يدمن العطاء ويستمر فيه واعيًا أو غير واعٍ.

عطاء لبسط السيطرة

الزوج الذي ينفق على بيته بسخاء ثم يهدد زوجته: “طالما أني أوفر لك كل ما تحتاجين، فلتسمعي كلامي”. إنما يعطي ليسيطر عليها. ونرى هذا النموذج في الأب الذي يعد ابنه بسيارة فاخرة شريطة أن يدخل كلية بعينها. بل إن البعض يضع شروطًا تحكم الأحياء بعد موته، كأن يشترط ذهاب ثروته لفلان بعد وفاته إذا تزوج بفتاة معينة مثلًا.

بعض الأشخاص أكثر عرضة ليكونوا صيدًا لهذا العطاء المفخّخ، فالشخص الذي يفشل في الوفاء باحتياجاته الشخصية أو الاضطلاع بمسؤولياته يفتح الباب أمام الآخرين للقيام بهذا الدور. أضف إلى هؤلاء المتشككين في قدراتهم وضعاف الشخصية ممن لا يجيدون الرفض. أولئك هم من يجذبون الأشخاص ذوي النزعات المسيطرة ليقدموا خدماتهم بينما يتحولون في أيديهم إلى عرائس.

عطاء في غير محله

يحرك الشخص من هذا النمط إحساس بأنه المنقذ الذي سيخلصك من آلامك، أو شعور بالذنب، أو ربما غيرة ورغبة في التحكم، لكن المنخرط فيه لا يلاحظ أنه يخلق علاقة غير متوازنة ولا يلبي في الوقت نفسه احتياجات الطرف المتلقّي.

بعض الأمهات تمارس هذا الشكل من العطاء حين تستمر في رعاية أبنائها حتى بعد زواجهم أو تقدمهم في العمر، ربما بشكل قهري، كأن ترى أن عطاءها التزام أدبي نحوهم.

سيعطيك هذا الشخص الكثير ربما دفعة واحدة. لا تستسلم له، فقد تسعد بجوده في البداية حين يغدق عليك بفضله ويتنبأ برغباتك حسبما يفهمها هو. ولكنك ستشعر بالاختناق بعدها لأنك استسلمت لعلاقة غير متكافئة لم تطلبها، وسيصاب هو بالإنهاك بينما تشعر أنت بأنه لا يفهم طبيعة احتياجاتك. 

عطاء في صورة صفقة

هذا الشخص يلعب مباراة دقيقة الحسابات، فهو يقيّم مقدار عطائه بالورقة والقلم، يتشكك في نوايا الآخرين، ويشعر بأنهم يستغلونه. سيعطيك، لكنه سيمنحك فرصة لترد ما أخذته قبل أن يُقدم على “عملية” العطاء التالية. الأمر عنده كصفقة ينبغي أن يستفيد فيها الطرفان، فلو دعاك إلى عشاء سينتظر أن ترد الدعوة قبل أن يكررها من طرفه. 

هذا الشخص يقولها صراحة لك: “الفاتورة القادمة عليّ أنا”. فالأمر عنده “خذ وهات” صريحة.

إذن، بعض أنماط العطاء أنانية ولها دوافع أبعد ما تكون عن الجود إذا دققنا النظر. لعلك تتساءل الآن عن وجود العطاء الخالص أو الإيثار الذي لا ينتظر صاحبه ردًّا.

هل هناك عطاء بغير حساب؟

لو تأملنا نماذج الأغنياء الذين قرروا التبرع بثرواتهم، ألم يؤثر هؤلاء الآخرين على أنفسهم؟ ثمة اعتقاد أن هذا التوجه من بعض أثرياء العالم عادةً ما تدفعه رغبة في التخفيف من شعورهم بالذنب تجاه المجتمع لأنهم ينتمون إلى القلة الأغنى في العالم. فهم حين يفعلون ذلك إنما يريحون ضمائرهم ليس أكثر. وبعضهم قد يفعل ذلك “انتظارًا” للتقدير العام، فهو ببساطة يريد أن “يُرى” كشخص جيد ويبحث عن رضا المجتمع عنه.

وتذهب بعض الآراء إلى أن الرغبة في تكرار الشعور بمتعة التوهج الدافئ كفيلة بأن تحول عملية العطاء إلى فعل أناني، فأنت إنما تكرر العطاء لتجدد “لنفسك” هذه المتعة الحسية. فهل يجعل هذا من العطاء تصرفًا أنانيًّا؟ على الأغلب أن هذه الرؤية قاسية لأننا قد نشتري السعادة بطرق أخرى أقل تكلفة كالتنزه أو تناول وجبة مفضلة. والأولى أن نرى التوهج الدافئ كنتيجة لعمل الخير وليس دافعًا أنانيًّا له.

 بشكل عام، التبادلية هي النمط الحاكم لتصرفات البشر، حتى أن أحد الفلاسفة الهنود “سري أوروبيندو” يرى أنه “عادة ما يكون الإيثار هو منتهى الأنانية”، لأننا ببساطة حين نساعد الآخرين، فإننا بشكل أو بآخر نساعد أنفسنا. فطبقًا لوجهة النظر هذه لا يوجد ما يسمى بالإيثار، لأن كلا الطرفين يستفيد حتى وإن كانت استفادة أحد الطرفين أوضح أو أكثر مباشرة.

 أما “أندرو كارنيغي” رجل الصناعة الذي اشتهر بعمله الخيري، والذي اعتبر أن “الشخص الذي يموت غنيًّا، يموت مهانًا”، فليس أكثر تفاؤلًا من “أوروبيندو”، فهو يرى أن “الشخص نادر الوجود الذي يساعد الآخرين دون أنانية يتمتع بميزة كبيرة، فهو لا يواجه سوى منافسة ضعيفة”. 

فماذا يقول علم النفس في مسألة العطاء والإيثار؟ دعونا نتأمل هذا المثال:

لو تدخّل شخص ما لمنع وقوع جريمة قتل، سنرى عمله بطوليًّا عظيمًا، ولكن ما إن نعرف أن المنقذ هو حارس شخصي مدفوع الأجر ستتغير النظرة فورًا ويتضاءل العمل البطولي إلى موظف أدى دوره. شيء ما بداخلنا يرى أن العطاء ينبغي أن يكون بلا مقابل وإلا كان أنانيًّا… رغم أن الجريمة لم تقع في الحالتين.

يرى “ماكس كراسنو” عالم النفس التطوري أن هذه النظرة خاطئة، لأن الإيثار بطبيعته أناني، فهو في نهاية المطاف يخدم مصالحنا. يوضح “ماكس” أن للدماغ طريقة عمل مباشرة وأخرى نهائية. المباشرة تتعلق بالسبب والنتيجة الفورية لسلوكنا، أما النهائية فتخص السبب الجوهري الذي جعل هذا الدماغ بهذه الصورة يستمر بفعل الاصطفاء الطبيعي.

ويضرب “ماكس” مثلًا بالأم باعتبارها تبدو نموذجًا واضحًا للإيثار، فهي تضحي بوقتها وطاقتها من أجل طفلها. لو تأملنا هذا النموذج من الناحية المباشرة، سنجده شديد الإيثار، سخي العطاء ولكن ما الهدف النهائي من وراء ذلك الاهتمام؟ إنه هدف أناني، وهو التكاثر والحفاظ على السلالة.

هكذا ينبغي أن يفهم العطاء: أن له وجهين، أحدهما نحبه والآخر ننكره أو نكرهه. وليست هذه محاولة لتدمير الوجه الحسن للعطاء، كما يقول “كراسنو”، وإنما لاستيعاب أن للإيثار بُعدًا أنانيًّا، وهو رغم ذلك مقبول، فلولاه لفنت البشرية.

مارس عطاءً يزيد روحك توهجًا

يظل العطاء، في صورته المتوازنة، لو جاز التعبير، موضعًا يفوز فيه طرفا المعادلة، فالمعطي ساعد غيره وتجاوز مخاوفه دون الشعور بالإنهاك الجسماني أو النفسي. أما المتلقي فحصل على ما يريد وتجددت لديه طاقة الحب والأمل. الكرم وسيلة طبيعية لبناء الثقة والتخلص من كراهية النفس، والشخص الذي ينتظم في العطاء يكون أكثر سعادة وأقل اكتئابًا من غيره، وفق الدراسات. 

ولكن إليك بعض الأسئلة التي ينبغي أن تسألها لنفسك إن كنت تشعر بأن عطاءك يستنزفك بدلًا من أن يزيدك توهجًا:

  1. هل تشعر بأن عليك أن تكون الطرف الذي يعطي في كل علاقاتك؟
  2. هل تشعر بالذنب لو أخذت شيئًا من أحد؟
  3. هل تضع احتياجات الآخرين فوق احتياجاتك؟
  4. هل تعتذر بشكل مبالغ فيه لو لم تعطِ بالشكل الذي تمنيته؟
  5. هل تشعر بالضيق لو اضطررت إلى طلب شيء؟
  6. هل ساورك يومًا شك في أنك تعطي لتتجاوز شعورك بعدم الأمان؟
  7. هل تشعر بأنك تعطي لتنال الحب؟

إذا كانت إجاباتك بنعم، فأنت منخرط في نمط عطاء مؤذٍ عليك مراجعته.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter