أنت تقرأ الآن:

تاريخ الموضة

تاريخ الموضة

عادة ما تعكس ملابس المرء أسلوب حياته أو جانبًا من القيم التي يعتنقها. يصف عالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفتسكي الموضة بأنها ظاهرة غربية حديثة، بدأت تتشكل منذ منتصف القرن الرابع عشر (نهاية العصور الوسطى وبزوغ المدن والنزعة الإنسانية). فهل يعني ذلك أن المجتمعات الأقدم (في الغرب والشرق على السواء) كانت مجتمعات بلا موضة؟

بالطبع لا. يُميّز ليبوفتسكي في كتابه “مملكة الموضة زوال متجدد” بين انقلابات المظهر التي تحدثها المُوضة الحديثة وبين نظيراتها في العصور القديمة والوسطى، على أساس أن تحولات الزي في الأخيرة كانت تميل للتجمد في الزمن، بأن تصير إلى نموذج / قدوة ينبغي على الأجيال التالية توارثها ونَسخها، بخلاف الموضة الحديثة التي واكبت تحولًا أخلاقيًا وجماليًا شهدته أوروبا، يعتمد على احتفاء مستمر ومُتجدد بالحاضر و”عدم أهلية نسبية للماضي” كما يدعوها ليبوفتسكي، والاحتفاء بما هو جديد، وتقليد المعاصرين بدلًا من الأسلاف.

هذا التحوّل ارتبط بإرساء نموذج معرفي جديد يسعى لفرض سلطته على الطبيعة عبر العِلم الوضعي، وبينما اندفع الإنسان بهدف السيطرة على الطبيعة، باستخدام إمكانياته الفردية، فإنه اندفع بالمثل لفرض سلطته الخاصة على مظهره، هذه السلطة النابعة من ذاته، وليس من التقليد أو سلطة المجموع.  

حرية أم امتثال جماعي؟

 تفرض الموضة أنماطًا بعينها من الملابس على الجمهور، باعتبارها مواكبة للعصر، أو مقياسًا للأناقة، ما يجعلها برأي النُقاد، ظاهرة سلطوية، إذ تفرض على أفراد المجتمع أن يكونوا متماثلين في الشكل. لكن ليبوفتسكي يقلل من شأن الطبيعة السلطوية للموضة، فبينما تفرض على الفرد ما يدعوه هو “التركيب الأساسي للزي”، ويمكننا أن نسميه: هيكل الملبس، فإنها تترك التفاصيل مثل: الألوان، والإكسسوارات، وطول الملابس، وتنسيقها، والتفاصيل الخاصة بالشعر لذوق الفرد، بحيث يصير “مُشابهًا للآخرين دون أن يطابقهم تمامًا”.

تُجسّد الموضة “تنوع في قلب سلسلة معروفة”[1]، والسعي وراء ما هو مختلف، وجديد، ومن هنا ينبع حرص الأفراد في عصر الموضة على إضافة لمسات خاصة تُميزهم عن غيرهم، وتجعلهم يَذكرونهم بها، مدفوعين برغبة دائمة في إثارة الإعجاب والاندهاش لديهم. رغبة يحكمها ما يُسميه ليبوفتسكي ب “منطق الزوال، والفانتازيا”، أي السعي الدائم لمواكبة الجديد، هذا السعي المدفوع برغبة حداثية في الاستمتاع بالحياة على الأرض كأولوية وتحقيق السعادة فيها، بدلًا من انتظارها في الحياة الآخرة.  

فمع الموضة الحديثة، أصبح أي تغيير صغير (في لون الشعر أو طريقة تصفيفه أو ارتفاع الحذاء أو رسمة الحواجب) يطغى على كامل الزي، مبدلًا طبيعته بشكل كلي، مُعيدًا صياغة المظهر العام للشخص بطريقة قد تعبر عن انتماءات وقيم مخالفة جذريًا لما عبّر عنه مظهره السابق، رغم أن الهيكل الأساسي للزي ظل كما هو ولم يتغير. بينما في العالم القديم، مثّلت التغيرات /الإضافات الطارئة على الأزياء، عنصرًا هامشيًا مُلحق بتركيب ثابت، لا يُنتِج بدوره تحولًا جذريًا في المظهر العام للفرد، فقد شهدت جميع المجتمعات القديمة تحولات تضمنت: صَبغ الشعر، واستعمال الباروكات، ودق الوشوم. إلخ، لكن الأولوية الجمالية ظلّت مُرتبطة بهيكل الزي الرئيسي، فلم يكن بمقدور هذه المتغيرات حجب التصميم الثابت الذي يبرز احترام تقاليد معينة ومظهرًا عامًا ثابتًا وموروثًا.

برأي الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر، نشأت الموضة كرد فعل من جانب الطبقات العُليا، ضد تقليد الطبقات الأقل لأزياء الأولى، وهكذا اضطرت الطبقات العُليا –برأي سبنسر- إلى تغيير أساليب لباسها بشكل دوري بمُجرد أن تنتشر أحد صيحاتها بين “العامة”، حتى لا تتساوى “الرؤوس” (المظاهر). لكن ليبوفتسكي ينتقد سبنسر مُحتجًا بأن شعلة صيحات الموضة الأحدث كانت تنطفئ بسرعة قبل أن تتمكن الطبقات الأقل من تبنيها أصلًا.

يوافق ليبوفتسكي على أن التمايز/الصراع الطبقي كان حاسمًا في انتشار الموضة وتوسيع رقعتها، فقد كانت أحد أشكال الصراع على النفوذ داخل البلاطات الملكية، ثم الصراع بين الأرستقراطية المُتراجعة والبرجوازية الصاعدة، إذ سعى ممثلو كل طبقة أو حزب سياسي لتمييز أنفسهم وتأكيد وضعياتهم المُكتسبة حديثًا عبر تبني مُوضة مُعينة تُنافس موضة نظرائهم.

لكن برأي ليبوفتسكي، فإن الصراع الطبقي لا يفسّر تقديس الزمن الحاضر، والطبيعة الفانتازية واللِعبية للموضة، أي هذا الدافع الجمالي الذي يقفز بالملابس والألوان والإكسسوارات إلى مستويات غرائبية وجديدة للغاية. هذا الدافع يدعوه ليبوفتسكي ب “الاحتياج الجمالي”، والذي يُمثّل بالنسبة له جزءًا من الطبيعة البشرية، سَمح له الظرف التاريخي (لأوروبا) منذ القرن الرابع عشر بأن ينمو في إطار ثقافي يُعلي من شأن “الفرد”، ويؤكد قدرته على تشكيل نفسه. فهل ينفي هذا وجود نفس “الاحتياج الجمالي” لدى اليونانيين أو المصريين القدماء؟ لقد كان هذا الاحتياج موجودًا منذ القدم، لكنه اتخذ شكلًا “برهانيًا” في العصور القديمة، حيث حاولت الطبقات العُليا عبر صيحات ملابسها المُتعددة التأكيد على رسوخ هرم الطبقات الذي يُميزها عن بعضها البعض، لكن في الغرب الحديث -كما يطرح ليبوفتسكي–، اعتنق الناس موضة مُعينة رغبة في التعبير عن تفردهم كذوات مُستقلة، واحتفاء بهوية  ثقافية مُعينة أو مجموعة من القيم الأخلاقية وأساليب الحياة، هذه الهوية سرعان ما تجاوزت الحدود القومية لتجمع تحت مظلتها طبقات وشعوبًا بأكملها تمتلك أو تسعى إلى امتلاك نمط حياة مُرتبط بهذه الموضة أو تلك.

من طاولة الخياطة إلى خط الإنتاج

وُلدت الموضة عندما صارت تغيرات المظهر قاعدة تفرض نفسها على كل جيل وليس استثناء على هامش تقليد(مظهر) مُتوارث بين الأجيال، وقد نمت خلال القرن الرابع عشر في بلاطات الأمراء وبين النبلاء الأثرياء (الأرستقراطية)، بالتوازي مع نمو المُدن حيث سعت طبقة التجار (البرجوازية) الصاعدة لتوها إلى تأكيد نفوذها المتزايد عبر “الاستعراض الباذخ للأزياء”، في مواجهة استعراض الأرستقراطية الساعية للإعلان عن استمرارية نفوذها الآخذ في الهبوط.

هذه الولادة كانت مُستحيلة، لولا الآتي:

 أولًا: نمو الاستعمار الأوروبي وحركة التجارة بين أوروبا وبقية العالم، ما أتاح تنوعًا في المواد الخام المُستعلمة في صناعة الملابس والزينة، على سبيل المثال: جَلب الأوروبيون الحرير من الشرق، والريش والجلود والقطن من أفريقيا.

ثانيًا: تطور صناعة النسيج (سواء أساليب النسج، أو مع الظهور اللاحق للمحركات البخارية، والذي أتاح توسعًا هائلًا في الإنتاج)  

ثالثًا: تقسيم العمل المُتزايد الذي برز مع الرأسمالية الناشئة، أي تقسيم المهام ومراحل التصنيع المختلفة، فتحوّل الحرفي إلى عامل مُتخصص في مرحلة مُحددة من صناعة الملابس (كالنسيج والحياكة والصباغة.. إلخ)، وهذا ما أتاح اهتمامًا أكبر بكل مرحلة، وبالتفاصيل الخاصة بالزي، فالتفصيلة التي كانت تُعد فيما مضى من الكماليات، أصبحت مهنة قائمة بذاتها.  

بين منتصف القرن التاسع عشر وستينيات القرن العشرين، اعتمدت الموضة على مؤسسة اقتصادية ثابتة، إذ كان إنتاج الملابس الجاهزة بكميات كبيرة وأسعار ملائمة قد بدأ في إنجلترا، التي زودتها قوتها العسكرية وامبراطوريتها الشاسعة بكميات كبيرة ومتنوعة من المواد الخام، وانتقل الإنتاج إلى باقي أوروبا بحلول عام 1840، ثم نشأ عصر ميكنة الملابس باختراع ماكينة الخياطة عام 1860، وبالتالي، أُتيحت المنسوجات بسعر مُناسب في السوق أمام الطبقة الوسطى الأوروبية بفئاتها المُختلفة. وعقب الحربين العالميتين، تقدم تصنيع الملابس في خطوط إنتاج شبيهة بخطوط إنتاج السيارات، مُستفيدة أيضًا من تقدم صناعة الكيماويات، والتي أتاحت بدورها تكييف المواد الخام حسب حاجات الإنتاج.

كان نجم دور الأزياء الراقية قد بزغ منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفي باريس تحديدًا، حيث أسس الإنجليزي شارل وورث دار أزياء على اسمه. وقد سعى وورث إلى ابتكار ملابس أكثر أريحية وملائمة لحياة المدينة الحديثة، كما استعان بالعارضات لترويج تصميماته، كما كان أحد أوائل من خاطوا اسمهم على الملابس بصفته علامة تجارية، وسرعان ما انتشرت دُور مماثلة عبر أوروبا، كي تتحول بالتدريج (مع التوسع في خطوط الإنتاج المُقتبسة عن تصاميمها وكذلك التوسع الاستعماري لفرنسا وبريطانيا) إلى معيار عالمي للأناقة.

حتى الستينيات، اقتبست صناعة الملابس الجاهزة تصاميمها عن دور الأزياء الراقية من أمثال دار وورث،  ومنذ ذلك الحين ظلت صناعة الملابس الجاهزة في ازدهار مُتزايد مُحطمة (نسبيًا) الفوارق الطبقية والحدود الاجتماعية القائمة بين الأفراد والمعتمدة على المظهر الشخصي،  وبدلًا من أن تكون الموضة وسيلة للتمايز والفصل الطبقي، أصبحت -برأي ليبوفتسكي– ظاهرة ديمقراطية، إذ تحوّلت الموضة من إبراز علامات المكانة الاجتماعية إلى إبراز صفات “أكثر شخصية” وتعلقًا بالفرد نفسه مثل: “النحافة، والشباب، والجاذبية الجنسية”  [2]، ورغم ذلك، فإن ذكر مثل تلك الصفات سيعيد الأوضاع والفوارق الطبقية من البوابة نفسها التي طُردِت منها. فالأوضاع الطبقية للأفراد هي ما يتحكم بروتين حياتهم بمعناه الواسع (نوعية طعامهم وشرابهم والهواء الذي يستشنقونه.. إلخ)، هذا الروتين بدوره هو ما يُساعد أحدهم على الاحتفاظ بنضارته وشبابه، في حين يجعل من آخر عجوزًا في شبابه.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter