أنت تقرأ الآن:

“صخب الخسيف”.. مجموعة غريبة تكمل أعمال “أسامة المسلم”

“صخب الخسيف”.. مجموعة غريبة تكمل أعمال “أسامة المسلم”

آية حسن حسان

“أدب الرعب” تكثر الاتهامات الموجهة إليه. يقولون إنه أدب “ترفيهي”، وأدب “خفيف”، والحقيقة أنه يندرج تحت الأدب الذي يحب الناس قراءته، وهذا ما يهم.

هذا الاتهام السابق لا يخصنا فقط، بل هو رأي عالمي شائع. أما على مستوى البلاد العربية، فتوجد انتقادات أخرى. 

من هذه الانتقادات النقل الأعمى من الثقافات الأجنبية. في بعض البلدان تمتد جذور أدب الرعب إلى أكثر من مئات السنوات، وهناك رواد مشهورون وأعمال مميزة. أما الأدب العربي، فهو حديث العهد بالرعب، وإن كانت هناك محاولات قديمة تميل إلي الفانتازيا والخيال. هذا التأخر يجعلنا متخبطين بين الأعمال، وما زلنا نحاول الوصول إلى أساليب تناسب المناخ المثير الخاص بقصص الرعب لاختلافها عن القصص العادية.

وكذلك شهرة بعض الموضوعات في الأدب العالمي أثّرت في هذه التجارب الأولي، فخرج عدد من قصص مصاصي الدماء والمستذئبين والموتى الأحياء، والتي كانت غريبةً في منطقة تعج قصصها الشعبية بالثراء، مثل النداهة وأم الشعور وعيشة قنديشة والجن بمختلف ألوانه!

لذا، وحتى مع هذه المحاولات وظهور بعض الأسماء اللامعة في أدب الرعب العربي، ما زلنا ننتظر لمسات مختلفة ومميزة، لمسات نستطيع أن نلقبها بالفن اللائق بالرعب، وهنا يحين دور أسامة المسلم.

رجل الخيال العربي

أسامة المسلم كاتب سعودي معاصر اشتهر في الفترة الأخيرة بكتاباته المميزة في تصنيفات مثل الخيال والخيال التاريخي. وهو لا يكتب روايات عادية، بل سلاسل طويلة ممتدة مثل سلسلة بساتين عربستان، والتي حققت نجاحًا كبيرًا بسبب فكرة حرب الساحرات في الجزيرة العربية، وأكسبها الطابع التاريخي. أما سلسلة “لج”، فتدور في أعماق البحار بين ممالك مختلفة.

هذه الأفكار البعيدة عن السائد، والأسلوب البسيط للغاية الذي يناسب حبكة هذه الأعمال، أكسبه شهرته وأعطى انطباعًا عن ذكاء اختيارات الكاتب، ما جعل محبيه من القراء ينتقلون فورًا إلى كتابته في أدب الرعب موقنين من أنه يستطيع اختيار ما يناسبها أيضًا.

“صخب الخسيف”.. مجموعة بلا نهايات

“صخب الخسيف” مجموعة قصصية تنتمي لأدب الرعب، لكن لديها بعض العلامات المميزة التي جذبت القراء وجعلتها تجربة جديدة لا يمكن وصفها بالنمطية.

أولى هذه الاختلافات هي عدم الانحياز إلى ثقافة. في الغالب نقول إن القصة متأثرة بعوامل غربية، أو حتى معتمدة على التراث الشرقي من قصص الجن والعفاريت، لكن أسامة المسلم اختار ألا يذهب شرقًا أو غربًا، بل أن يبدع قصصه الغامضة بنفسه. لذا نجد في غالبية القصص كائنات غامضة على غير مثال، وكتبًا غريبة، واختفاء محيرًا:

“لا وجود لي وحاضر للأبد.. لا أرى ولا يراني أحد.. لا حياة بدوني ولا موت.. أولد غدًا وأموت كل يوم..”

هذه الأفكار ذهبت بعيدًا عن المعتاد لأن غالبية الكتابات الغامضة تعتمد على الأسطورة وإعادة تمثيلها، بل شرحها أيضًا، فتسير القصص عادةً في اتجاه كشف اللغز، وهو ما لم يفعله الكاتب، حيث اختار الرعب دون تفسيرات أو خلفية واسعة، فقط الرعب الذي يأتي في لحظة ليترك أثرًا لا ينمحي.

وتتميز المجموعة أيضًا بالنهايات المفتوحة التي تزيد الرعب رعبًا لأنها تترك خيال القراء دون كابح في تصور مئات السيناريوهات المحتملة. ورغم أن النهايات المفتوحة في الكتابات الأدبية دائمًا ما تلقى الهجوم، فإنها في هذه الحالة تعد استخدامًا يخدم نوعية الحبكة المطروحة.

أما أسلوب المجموعة، فقد جاء مختلفًا عن كتابات أسامة المسلم المعتادة. في السلاسل الطويلة والفانتازيا التاريخية غالبًا ما يستخدم لغة أكثر بلاغة وأسلوبًا خاصًّا يليق بحبكة طويلة وشخصيات أدبية مختلفة، أما في هذا العمل، فاختار أسلوبًا مباشرًا وبسيطًا لا يكاد يخرج عن المحادثات بين الشخصيات دون إطناب أو وصف يفسد سرعة إيقاع القصة، ما يعد اختيارًا ذكيًّا أيضًا. 

عناوين مربكة

ما كان غريبًا حقًّا في المجموعة هو عناوين القصص التي لم تكن اختيارات بسيطة تدل على محتوى القصص كالعادة، بل ظهرت في عبارت طويلة تحتوي على الحكمة.

بعض هذه العناوين مثل..

“لا قيمة للجسد عندما تسلب الروح، ولا قيمة للروح عندما يسلب الجسد”
“كمال حياتك يكمن في إيجاد من يقبل نواقصك”
“عندما يعلو الصوت يصاب العقل بالصمم”
“بعضهم لا يحصل على النوم حتى يسرقه من غيره”
“لن تعرف معدنك حتى تنكسر”
“من يكون غريباً بين أهله ستهاجر مشاعره نحو وطن غيرهم”
“العاقل خصيم نفسه، والجاهل خصيم الناس، والحكيم لا وقت لديه للخصومة”

للوهلة الأولى تعتقد أن العناوين ساذجة أو بلا معنى، أو حتى إن الكاتب يمارس دورًا أخلاقيًّا، فيعطينا دروسًا وحكمًا مباشرة، بدايةً من العنوان. أما الحقيقة، فهي أن الكاتب يلعب لعبة المعاني المزدوجة، فلن ترى هذه الحكمة المباشرة داخل القصة، بل ترى انعكاسًا واضحًا من القصص للعنوان. تخيل أن تأخذ حكمة واضحة مثل “لن تعرف معدنك حتى تنكسر”، وتحوّلها إلى قصة ذات أبعاد مختلفة، فتغير معنى المعدن ومعنى الانكسار. في البداية تمتعض من العنوان، وفي نهاية القصة تفهم اللعبة، وتبدأ في اللعب مع الكاتب، وتحاول التنبؤ بمحتوى كل قصة حتى قبل قراءتها، ما يضيف متعة جديدة إلى العمل.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter