أنت تقرأ الآن:

فيزا العيون الزرقاء: كيف بدّلت الحرب الأوكرانية قيم أوروبا إلى النقيض؟

فيزا العيون الزرقاء: كيف بدّلت الحرب الأوكرانية قيم أوروبا إلى النقيض؟

عبد الرحمن خالد

أوائل يناير الماضي اضطر 500 طالب لجوء من بضعة دول مختلفة، غالبيتهم من العرب، إلى الاستقرار في مركز إقامة مؤقت على الحدود البيلاروسية البولندية، وذلك بعدما أرسلتهم السلطات في بيلاروس، كإجراء عقابي، إلى الاتحاد الأوروبي ردًّا على العقوبات الاقتصادية، وكان هذا الاستقرار بعد توترات دامت لأسابيع بين محاولة إدخالهم أراضي التكتل الأوروبي والمنع العنيف وتشريدهم في العراء في درجات حرارة منخفضة تسببت في بعض الوفيات، بينها رضيع

قال بيان المركز البولندي لمؤسسة المعونة الدولية عن ظروف الوفاة: “شهر ونصف الشهر مكثتها العائلة في الغابات. الطفل كان يعاني من آلام شديدة في البطن ومصابًا بالجفاف، ووالداه السوريان: الرجل مصاب بتمزق بالذراع، والمرأة بطعنة أسفل ساقها”.

هؤلاء كان لديهم الأمل في الدخول، كتبوا طلبات لجوء ومكثوا، بينما أعداد محدودة لجأت إلى محاولة العبور بشكل غير نظامي عبر الأدغال، لكن الحال انتهى بهم في قبضة حرس الحدود البولندي، وانتهت الأزمة باستعادة كل دولة لاجئيها من الحدود الأوروبية.

لم تكن تلك الأزمة المعاناة الوحيدة للاجئين العرب. فعلى الحدود التركية اليونانية أزمة أخرى، أقسى فصولها عندما نشر وزير الداخلية التركي في الثالث من فبراير الماضي صورًا لجثامين ضحايا قال إنهم “12 مهاجرًا عربيًّا تم منعهم من دخول الأراضي اليونانية ودفعهم إلى الداخل التركي”. لقد تم تجريدهم من ملابسهم وأحذيتهم متروكين للبرد يقتلهم.

لا يسع الكثير من العرب إلا تذكّر هذه القصص شديدة القسوة، وذلك عندما وجدوا تدفق مئات الآلاف من الأوكرانيين على بولندا ذاتها، والتي استقبلت حتى كتابة هذا التقرير مليوني لاجئ أوكراني جراء الحرب الروسية على الأراضي الأوكرانية التي انطلقت فجر الخميس 24 فبراير الماضي، وهو العدد الذي فاق بكثير عدد اللاجئين السوريين في أوروبا، والمرشح للزيادة المستمرة. 

فبولندا وحدها التي كان لها سابقة تعامل شديد القسوة مع مئات اللاجئين الملونين استقبلت 1.2 مليون لاجئ أوكراني خلال أسبوعين فقط. فما القصة؟

إجراءات غير مسبوقة

على مدار 6 سنوات، منذ بدء عبور السوريين الحدود نحو أوروبا جراء الحرب في بلادهم، فشلت دول الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى نظام مناسب يخص اللاجئين من الدول العربية، مع محاولات فرنسا وألمانيا اللتين تقودان ما يسمى “تحالف الراغبين” المكون من 12 دولة، في إشارة إلى الدول التي تريد تخفيف العبء عن دول التكتل المطلة على البحر المتوسط مثل إيطاليا واليونان، لإصلاح نظام اللجوء. 

باريس تريد زيادة الدعم المالي لتلك الدول، بينما ترغب ألمانيا في توزيع “عادل” للأعداد على دول الاتحاد بما تسميه سياسة “أوروبا الإنسانية المنفتحة”، خصوصًا أنها وحدها يعيش على أراضيها مليون لاجئ سوري، في الوقت الذي ترفض الدول الأوروبية الأخرى، بنبرات مختلفة  الحدة، تحمّل أعباء اللاجئين. لكن الموقف الألماني “الإنساني المنفتح” انغلق على اللاجئين الموجودين بالأصل في دول أوروبا حاليًّا. وعن لاجئين جدد قال هورست زيهوفر، وزير الداخلية الألماني، إبان الأزمة الأفغانية الأخيرة: “يجب أن نعمل على نطاق واسع للإبقاء على الأشخاص في ديارهم وثقافاتهم”.

في المقابل، وخلال أسبوع واحد تقريبًا، تمكنت دول الاتحاد من اتخاذ إجراءات غير مسبوقة لمساعدة اللاجئين البيض من أوكرانيا، في نظام أُطلق عليه “الحماية المؤقتة”، وهو المختلف عن النظام العادي الذي يتم التعامل من خلاله مع اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط وإفريقيا متروكين فيه لأشهر، وربما لسنوات، في أماكن مخصصة حتى يتم التعامل مع طلبات اللجوء.

برنامج الحماية المؤقتة الذي أقرته دول الاتحاد ينص على منح اللاجئين الأوكرانيين إقامة كاملة، في أيٍّ من دول الاتحاد الـ27، حيث تصل مدتها الزمنية إلى 3 سنوات قابلة للتمديد، يكون لديهم حق العيش والدراسة والعمل داخل أيٍّ من تلك الدول.

اللاجئون الأوكرانيون عبروا الحدود إلى الدول الأوروبية الثلاث: المجر وبولندا والنمسا، بشكل سلس للغاية، حتى إن السلطات الحدودية سمحت بالعبور لمن ليس لديهم أوراق ثبوتية، وكان ذلك ربما بناءً على لون العينين والبشرة.

“أورسولا فون دير لاين”، رئيسة المفوضية الأوروبية، كتبت على تويتر، يوم الثلاثاء الثامن من مارس، كلمات مؤثرة حول استقبال اللاجئين: “أمر مفجع رؤيتنا شعب أوكرانيا يترك حياته كلها وراءه ويرحل هربًا من قنابل بوتين. إن دعم هؤلاء لهو واجبنا الأخلاقي”. وقال رئيس بلغاريا “رومين راديف”: “ولا دولة أوروبية الآن تخشى الموجة الحالية من اللاجئين”. 

لم تتوقف الإجراءات الأوروبية عند هذا الحد. فقد وصل التضامن الكبير إلى الجانب الشعبي لأن كثيرين من اللاجئين الأوكرانيين ليس لديهم عائلات كغيرهم يمكنهم اللجوء إليه، حيث أقدم عدد كبير من المواطنين الأوروبيين على التحرك مئات الأميال بسياراتهم الخاصة لتقديم المساعدات إلى اللاجئين المتدفقين، وأقدم بعضهم كذلك على استقبالهم في بيوتهم.

تلك اللفتات الإنسانية أثارت الإعجاب لدى الكثيرين، لكن الحدث ذاته شهد تباينًا كبيرًا بين طريقة التعامل مع الملونين والسود والأوكرانيين البيض في أوكرانيا خلال النزوح، حيث عانى عدد من الأفارقة التمييز في ركوب حافلات نقل اللاجئين إلى الحدود لأن الأولوية للأوكرانيين، بل إن بعض اللاجئين الأفارقة قالوا إنهم تعرضوا للعنف والضرب على يد جنود أوكرانيين خلال عملية النزوح. وعلى الحدود الأوروبية، فإن العبور كان سلسًا للغاية بالنسبة إلى الأوكرانيين، بينما عومل غير الأوروبيين بطرق مهينة واضطروا إلى البقاء لأيام طويلة في البرد لكي يُسمح لهم بالعبور، “فلماذا هذا الاختلاف؟”.

لماذا هذا الاختلاف؟

يجيب عن السؤال بجملة واحدة كيريل بيتكوف، رئيس الوزراء البلغاري، وذلك حينما قال عن الأوكرانيين: “هؤلاء ليسوا اللاجئين الذين اعتدنا عليهم، هؤلاء أوروبيون”، بالطبع الإجابة ليست في أنهم أوروبيون، لكنها في “العنصرية” التي تحملها كلماته.

يضيف المسؤول البلغاري رفيع المستوى: “هؤلاء الأشخاص أذكياء، إنهم مثقفون. هذه ليست موجة اللاجئين التي اعتدناها، أناس لم نكن متأكدين من هويتهم، أناس لديهم ماضٍ غير واضح، والذين يمكن أن يكونوا إرهابيين”.

تصريحات السياسيين لم تكن وحدها التي تحمل العنصرية. فوسائل الإعلام لم تستطع إخفاء تلك النظرة. قال أحد مراسلي شبكة “سي بي إس” إن الصراع في أوكرانيا ليس كالذي شهدته العراق وأفغانستان، مضيفًا: “هذه مدينة متحضرة وأوروبية نسبيًّا، ولذلك وعد الاتحاد الأوروبي باستقبال جميع اللاجئين القادمين منها”.

كان ذلك رأي مذيع قناة الجزيرة الإنجليزية، والذي قال: “هؤلاء متحضرون ينتمون إلى الطبقة الوسطى، ومن الواضح أنهم ليسوا لاجئين يحاولون الهروب من مناطق في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا. إنهم يبدون مثل أي عائلة أوروبية تعيش بجوارهم”. قبل أن تصدر الشبكتان اعتذارًا عن التعليقات “غير المسؤولة”.

بالطبع ليست العنصرية الدافع الوحيد. فقد يعتمد هذا الترحاب الأوروبي على أن الحرب لن يطول أمدها، وإن كان من المبكر الحديث عن توقعات موعد نهاية هذه الحرب، لكن هناك مؤشرات أولية تلفت إلى أن الحرب قد يتم حسمها في أي لحظة، سواء باستسلام النظام الأوكراني أو بهزيمته، أو حتى بإمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي من شأنه إنهاء الحرب، لكن توقعات أخرى، وربما تمنيات بأن تؤدي الإجراءات الغربية إلى القضاء على نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو الثمن الكبير الذي يستحق التضحية حتى لو طالت أمد الحرب.

هناك سبب ثالث أهم، وهو أنه في حال انتهت الحرب، فمن السهل إعادة لم شمل الأسر الأوكرانية، وعودتهم الطوعية إلى بلادهم، خصوصًا أن استهداف البنية التحتية المدنية في بلادهم يمكن وصفه بالمحدود، مقارنةً بحرب أخرى خاضتها روسيا نفسها في سوريا، ولا تزال تقتصر الخسائر المادية على النطاق الأضيق تحت بند “الأخطاء الجانبية”، ولم يتم الإعلان عن أي خسائر فادحة على مستوى المناطق السكنية.

لكن كل ذلك لا يعني أن هذه الحفاوة ستستمر إلى الأبد. ففي حال انتفت أيٌّ من تلك الأسباب، هل تنقلب الدفة؟

تطورات أخرى

بعد أسبوعين من الحرب، وتدفق مليوني لاجئ أوكراني إلى دول الاتحاد الأوروبي على الجهة الشرقية، فلا يبدو أن الأمور تسير بخطى ثابتة، حيث ظهرت الخلافات على السطح.

في تقرير نشرته وكالة “فرانس 24″، بعد أيام قليلة من الغزو، حمل عنوان: “طلائع الأوكرانيين في ألمانيا: العودة غير ممكنة”، سأل محرر الوكالة لاجئة أوكرانية في ألمانيا: “لماذا لم تبق وعائلتك في بولندا باعتبارها الأقرب إلى بلدك؟”. لم يكن هذا سؤال الإعلام الوحيد، فالإعلام الغربي بادر بالتساؤل: “كيف ستكون أوضاع اللاجئين في دول أخرى غير دول شرق أوروبا؟”، “إلى متى ستكون تلك الإجراءات كافية؟”، و”كيف ستكون إقامة غالبية اللاجئين؟ وما هو الحال بالنسبة إلى الأطفال الواجب التحاقهم بالمدارس؟”، وغيرها من الأسئلة.

“فيليبو غراندي”، المفوض السامي لشؤون اللاجئين، أشار في تصريحات له في الثامن من مارس، إلى أهمية النقاش حول نشر اللاجئين الأوكرانيين في دول أوروبا ومناطق أخرى.

يلمّح “غراندي” في حديثه إلى دول أوروبية أخرى غير تلك التي تعمل على استقبال اللاجئين خلال الأسبوعين الماضيين، مثل بريطانيا، ويقصد في حديثه كندا والولايات المتحدة الأمريكية، مشددًا على ضرورة تقاسم المسؤولية، إضافةً إلى تحمّل الأعباء المالية بشكل متساوٍ.

من جانبه قال “كريس ميلزر”، المتحدث باسم المفوضية، إن هناك جهدًا رائعًا يسير بشكل جيد في ما يخص اللاجئين، إلا أن أحدًا لا يعرف ما يمكن أن يحدث لاحقًا في حال استمرت الأرقام في الارتفاع، متابعًا على استحياء: “سيكون الأمر صعبًا مع تزايد الأعداد”.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter