أنت تقرأ الآن:

كيف يربح القطاع الخاص من الكوارث والحروب؟

كيف يربح القطاع الخاص من الكوارث والحروب؟

إسلام العزازي

على امتداد التاريخ الحديث ارتبط مفهوم الكارثة باضطراب يحدث خلال فترة ما، حيث يسبب خسائر بشرية وخللًا اقتصاديًّا. 

حتى نهايات القرن العشرين ارتبط تأثر العالم بالكوارث من خلال الإحصائيات الظاهرة. الحرب العالمية الثانية مثلًا قضت على أكثر من 60 مليون إنسان، حوالي 2.5% من تعداد السكان العالمي وقتها، وحينما نتأمل آثار هذه الحرب نجد امتدادها حاضرًا في التاريخ المعاصر، على المستوى النظري بظهور أنساق نظرية جديدة، وعلى المستوى الفني بشّرت نتائج الحرب الكارثية بظهور السينما الجديدة في إيطاليا، وجماعة 47 الأدبية في ألمانيا.

من ناحية أخرى أعادت الحرب إنتاج موازين قوى جديدة في العالم. صعدت الولايات المتحدة بخطوات ثابتة على مستوى استعماري ينطلق أولًا من إعادة توجيه دفّة الاقتصاد العالمي، ومن خلال ذلك نتجت مفاهيم جديدة للكارثة، ليست حاضرة على مستوى مرئي، لكنها قادرة على التأثير العالمي بنفس درجة الكوارث السابقة.

بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي انتعشت الولايات المتحدة بالسيادة الاقتصادية، خصوصًا أنّها عززت خلال هذه المرحلة علاقتها بالشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي. توغلت مفردات الاقتصاد الرأسمالي على بقع العالم الفقيرة المجبرة على التعاطي مع وسائل الوجود المتاحة على خريطة العالم. 

التفحش الرأسمالي الذي تداعى بصورة متضخمة، وتحول إلى اقتصاد عالمي مؤسسي في مطلع القرن العشرين، أصبح مثل آفة لا يمكن تحجيمها، لكن البحث النظري لم يتوقف عن التحذير من نتاج اقتصاد الكارثة.

في كتاب “حدود النمو” (Limits to growth) يحذّر “يورغن ساندرز” من التوجه نحو وحش الخصخصة الكارثي، وأن العالم الحديث يعاني من نمو سكاني في عالم أصبح محدود المصادر، أو بالأحرى أصبحت مصادره موجهة مسبقًا إلى عمليات الربح وإعادة إنتاجه. 

وفي ما يخص حديثه عن الرأسمالية في العالم المعاصر يقول “ساندرز”: “الرأسمالية مصممة بعناية بحيث تتجرد من الحيثيات المحيطة بالمشروعات، وتعتمد على تخصيص حصص رأس المال للمشروعات الأكثر ربحية، وهذا بالضبط ما لا نحتاج إليه اليوم”. 

بعد أحداث 11 سبتمبر ظهرت للولايات المتحدة فرصة التوسع الاستعماري تحت غطاء وصائي سياسي. يذكر كتاب “عقيدة الصدمة” أن 11 سبتمبر لم تقدّم إلى الولايات المتحدة رخصة الحراك الحربي فقط، بل فتحت مساحات أوسع للقطاع الخاص بالتفحش خلال مساحات جديدة حتى أصبحت الكوارث البشرية والبيئية والحروب مادة جديدة للتربح.

أفغانستان.. المفتتح 

بدأت خطوة الحرب على أفغانستان بعد 11 سبتمبر مباشرةً بعد طلب جورج بوش الابن من حركة طالبان تسليم أسامة بن لادن، لكن الأخيرة رفضت تسليمه دون عرض أدلة من الحكومة الأمريكية تدين “بن لادن” في حادثة برج التجارة العالمي. رفعت الولايات المتحدة، بالشراكة مع حلف شمال الأطلسي، شعار “الحرب على الإرهاب” كغطاء لاستنزاف موارد البلد، ولإعطاء القطاع الخاص والشركات العابرة للقارات فرصة لفرض أذرع تدويل رأس المال في بقع مختلفة.

لإدراك مدى قيمة عمليات الضخ المالي في الحرب يذكر “جيمس رايزن” في كتاب “pay and price” أن قيمة الحرب على أفغانستان والعراق بلغت 4 تريليونات دولار، معظم ذلك المبلغ اعتمد على شركات مقاولات وتأمين ومؤسسات خاصة متعددة الجنسيات، وتعد هذه القيمة إحدى أكبر تحويلات الثورة في التاريخ الأمريكي الحديث.

واحدة من المؤسسات التي احتكرت جزءًا كبيرًا من القيمة الربحية خلال فترة الحرب وحتى اليوم هي شركات التأمين الخاصة. عادةً يدير هذه الشركات كوادر سابقة من الجيش الأمريكي، أو خبراء عسكريون كانت لهم تجارب حربية سابقة، تعمل هذه الشركات بجدية عالية في أوقات التفسخ الداخلي للأوضاع السياسية في البلاد الفقيرة، تتولى مسؤولية تأمين الشركات العابرة للقارات سفارات دول العالم الأول بخاصة، والبنوك العالمية، وطبعًا الشركات التي تتعامل مباشرةً مع الحكومة الأمريكية.

في كتاب “رأسمالية الكوارث” يخوض الصحفي “أنتوني لوينشتاين” رحلة في أفغانستان بعد 2010، وهناك يستطيع تتبع التاريخ القريب لنشاط مثل هذه الشركات، والتي وصل نفوذها في عام 2002 إلى العمل مع الحكومة الأفغانية لأن الأخيرة أدركت خلال هذه الفترة أنها ليست قادرة على حماية مؤسساتها.

في حوار “لوينشتاين” مع أحد رؤساء شركات التأمين في العاصمة كابول ثمّة تمكّن مخيف في ردود الرجل الذي لم يعلن عن هويته، ردود تتعلق مثلًا بامتلاك نظام معلوماتي واستخباراتي يفوق نظام الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وأن الاثنين لديهم خطوط عمل مباشر مع شركة التأمين هذه، ناهيك بالردود الواضحة بمدى احتياج العمالية الأفغانية المحلية إلى وظائف  شاغرة بعوائد مالية كبيرة.

بحلول عام 2008 أصدرت شركة “kbr” بيانًا بعقود احتكار مسؤولية أعمال انتقالات الجيش الأمريكي. عملت الشركة على استقبال الجيش الأمريكي في أفغانستان، وتولّت مسؤولية توفير وجبات طعام يومية وغسيل الملابس ومعالجة المياه، حتى غسيل الصحون وأعمال الصيانة الدورية على المعدّات والأسلحة. كل ذلك بعمالة محليّة تابعة للبلد دون أي اعتبار للآدمية في تحديد ساعات العمل، أو ثبوت أي بدائل تخص الموظفين، سواء عمليات الرعاية أو حوافز العمل الزائد أو حتى تأمين صحي.

لم يسلم الأمر من شركات حولها رفض مؤسسي في المجتمع الدولي، قامت شركة “Relief and development” بالحصول على دعم من الجيش الأمريكي يقدّر بقيمة 200 مليون دولار، وخلال وجود هذه الشركة في فترة الحرب، ثبت تجاهها عدة نشاطات غير مشروعة متكررة، أهمّها أن الشركة لم يكن لها منهجية عمل واضحة من الأساس، ولم يتم تحديد أي مصدر واضح لعمليات التوسع العملي خلال الألفينات في أفغانستان.

كي نفهم تبييت النية في فتح موارد أفغانستان على مصراعيها للقطاع الخاص بمباركة الحكومة الأمريكية، ثبت في عام 2010 أن حوالي نصف العاملين في مركز مكافحة الإرهاب في أفغانستان كانوا أصحاب شركات مقاولات ولديهم مشروعات استثمارية تدار من الباطن.

بابوا غينيا: الاستماتة على الاستقلال

تقع دولة بابوا غينيا، جنوب غرب المحيط الهادي بالقرب من إندونسيا، تم تبادل ورديات استعمار هذا البلد ما بين إسبانيا والبرتغال خلال عصر الإمبراطورية، وفي التاريخ الحديث منذ 1905 كانت تحت الاحتلال الأسترالي حتى حصلت على استقلالها عام 1975.

“بوغانفيل”، إحدى مقاطعات بابوا غينيا، ظلت تعاني حتى عام 1988 من صعوبة العمالة الإجبارية في مناجم المقاطعة التابعة لشركات القطاع الخاص بالتعاون مع الحكومة الأسترالية. منذ عام 1988 وحتى 1989 قامت حركة شعبية مسلحة من سكان المقاطعة وعطلت عمل المناجم، ولم يُستعَد عملها حتى اليوم.

يمكن قراءة حيثيات أزمة القطاع الخاص في بوغانفيل من أواخر أحداثها. في 2014 قامت شركة “psl” الأسترالية، والتي تمتلك النصيب الأكبر من عقود العمل في مناجم بوغانفيل، بإطلاق حملة دعائية كبيرة لاعادة عمل المناجم مرة أخرى، فتحت صناديق دعم للحكومة البابوا غينية، وعرضت مشروعات تنموية كبيرة، لكن مقترح العمل رفضه سكان المقاطعة، وبفعل تعاوني من السكان سجلوا اعتراضهم على فكرة عمل المناجم من الأساس، سواء بعمالة محلية أو غير ذلك، لأنهم مهتمون أكثر بالزراعة. هذه صنعتهم الأساسية ولا يحتاجون إلى أي شيء آخر.

رفْض السكان المحليين عمل المناجم مرة أخرى ينبع من إرث طويل من الاستعباد خلال فترات عمل المناجم. يوثّق كتاب “رأسمالية الكوارث” حالات التمييز العنصري بين العمال البيض والمستوطنين الأستراليين وعمال المناجم من المقاطعة. يجري تحديد ساعات عمل صورية فقط، بينما في الواقع يتم مضاعفة هذه الساعات دون زيادة في الأجور. كذلك ليست شركات الحفر والتنجيم مسؤولة عن أي ضرر أو إصابة حاصلة في العمل، وبالنسبة إلى العمال المغتربين من مقاطعات أخرى يتم وضعهم في أي مبيت متاح، سواء كان آدميًّا أو لا، مع اعتبار أنه خلال عمل المناجم، حتى توقفه بسبب الثورة الشعبية، لم يكن متاحًا للسكان العمل بدوام كامل في زراعة الأراضي.

كان تمرد عمال بوغانفيل بداية هياج مقاطعات أخرى. عام 1995 وجهت شركة “php”، كبرى شركات التعدين في العالم، أمرًا غير رسمي بصكّ قانون جديد في مجلس نواب بابوا غينيا، ينص على تجريم أي مطالبة تعويض تتعرض لها الشركة في إقليم بوتيكي، وهو إقليم مجاور لمقاطعة بابوا غينيا. وبالفعل تم العمل بالقرار المقترح. 

بضعة سنوات مرت وأصدرت نشرة “multi- national monitor” تقريرًا اقتصاديًّا يوضح مدى فداحة ذلك القرار، وكيف استنزفت الشركة المالكة لعمالة المناجم في المدينة، مع تتبع قيمة زيادة العوائد الربحية للشركة، والتي تشير إلى مضاعفة ساعات العمل دون أي توثيق.

رغم استمرارية اقتراحات الدعم من معظم الشركات الأسترالية المالكة لحقوق العمل في هذه المناجم، والتي ما زالت بالفعل حتى الآن تعمل في بعض مقاطعات بابوا غينيا، تظل مناجم بوغانفيل مثل فردوس مفقود لأنها كانت رأس حربة شركات تعدين عالمية. 

طبيعة الهلع والغضب الحاصلة خلال مرحلة المقاومة الشعبية توضح أهمية هذه المقاطعة للشركات. استدعت إحدى الشركات المتعطل عملها في المناجم شركة للمرتزقة في لندن يديرها ضابط بريطاني سابق، وبالاتفاق مع الحكومة البابوية سهّلت دخولهم بوغانفيل لسحق المقاومة الشعبية. 

لم تفلح هذه المحاولة، ولم تفلح كذلك الإمدادات اللوجيستية والحربية والمادية التي قدَّمتها الحكومة الأسترالية بطلب مباشر من رؤساء الشركات المتعطل عملها للحكومة البابوية، مع إعطاء أوامر مباشرة للقضاء على المقاومة المسلحة.

ما زالت بوغانفيل حتى اليوم تنظر إلى المحركات الضخمة والكراكات المعطلة، وتنشغل بزراعة أراضيها، وتتباهى بمدى اعتزازها بخطوة الاستقلال. 

أزمة اللاجئين: عمالة مجانية

بجوار أعمال القطاع الخاص في أستراليا، بالتعاون مع الحكومة في مناجم أقاليم بابوا غينيا المتعددة، لم يسلم منهم حتى محاولات اللجوء خلال فترات الحرب. في أغسطس 2011 تم منع سفينة عليها 438 لاجئًا أفغانيًّا من دخول المياه الدولية في أستراليا. 

مركزية الأزمة ليست هنا، لكنها في احتجاز اللاجئين في جزيرة “كريسماس” التي تعد بمنزلة معتقل مختبئ للاجئين. هذه الجزيرة بالأساس كانت مستعمرة أسترالية في السبعينيات. خطوة عزل اللاجئين بعيدًا عن تطفل الإعلام والميديا كانت إشارة ضمنية تبشّر بتعامل خشن، والتعامل معهم سيكون من الخارج بعيدًا عن مركز السكان، وأن البقاء هنا منوط بمعاناة أخرى مثل التي هربوا منها. 

تقدمت شركة “Serco” العالمية لخدمات النقل والطيران إلى الحكومة الروسية بعقد رعاية هؤلاء المحتجزين. وباعتبار أن “سيركو” شركة متعددة الجنسيات، يمكنها رفض الخضوع للبرلمان الأسترالي، طالما اتسمت هذه الشركة بندرة ظهورها ممثليها الإعلاميين.

مع تزايد أعداد اللاجئين حصلت شركة “Transfield Holdings” للنقل على عقد رعاية لاجئين محتجزين في جزيرتي ناموا ومانوس. الآن أصبح لدى الشركتين عمالة متاحة بلا صوت، لذلك راحت تتوسع في أعمال متعددة، وتم توظيف اللاجئين بالإجبار برواتب لا تساوي 10% من قيمة ما تتقاضاه العمالة الطبيعية في هذه الجزر.

بلغت محاولات التعتيم على صعوبة عمالة اللاجئين إلى ربط مدى وصولهم بالعالم المحيط بطردهم من العمل. تم توثيق شهادات لاجئين ومتضررين من سياسة تعامل الشركات الراعية، حيث تم تهديدهم بأنه يمكن إقالتهم وتجويعهم بناءً على من يتابعهم على مواقع التواصل الاجتماعي، أو لأنهم جزء من جماعة، أو حسب معارض لسياسة اللاجئين الأسترالية.

نهايةً، العالم المعاصر لا يتراجع عن السعي باستماتة نحو الخصخصة. تقول “ريبيكا سولنت” في كتاب “Paradise built in hell” أن التحدي الحقيقي الذي يواجه العالم الحالي هو إدراك أننا “مجرد مستهلكين”، وتشرح مدى كارثية أن الوضع المعاصر برمّته يتجه نحو خصخصة كل شيء، حتى إن الخصخصة لم تعد مسألة اقتصادية بالأساس، بل أصبح تاريخنا المعاصر تاريخًا للتسليع والخصخصة.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter