أنت تقرأ الآن:

لماذا تلاحقنا الذكريات السيئة؟

لماذا تلاحقنا الذكريات السيئة؟

عبد الرحمن أبو الفتوح

نركب قطار الحياة منذ نعومة أظفارنا ليمر بنا على محطاتها المختلفة، فتتشكل مع الوقت في الخلفية كثير من الذكريات التي لا يتوقف جديدها إلا برحيلنا عن الدنيا، وتتنوع من الحزين إلى السعيد إلى الصادم والمفاجئ أيضًا، الأمر أشبه بنظام حاسوبي يخزن البيانات تلقائيًّا في أدمغتنا.

لكن الصورة لا تكون دومًا سارّة. فكثير من الأشخاص يمرون بتجارب قاسية تطاردهم طوال حياتهم. فوفقًا لـ”المركز الوطني الأمريكي” لاضطراب ما بعد الصدمة هناك ستة من كل عشرة رجال وخمس من كل عشر سيدات عانوا من صدمة واحدة على الأقل في حياتهم.

وحتى نفهم أثر الصدمات في حياة الفرد يمكننا أخذ مثال على حادث التعرض للاعتداء الجنسي في الطفولة، يسرده لنا أحد الأطباء النفسيين السعوديين، وهو خاص برجل متقاعد أتى إليه في العيادة يشكو من الاكتئاب، وبعد عدة جلسات كشف للطبيب سر اكتئابه الذي يتمثل في تعرضه للاعتداء الجنسي عندما كان يبلغ من العمر عشر سنوات، وقد دمر هذا الحادث حياته إلى درجة جعلته يفكر في قتل المعتدي بعد مرور خمسين عامًا على ما حدث.

ما سبق يؤكد لنا أن هناك بعض الذكريات تعلق في ذاكرة الشخص وتعرقل حياته بشكل يجعله يتمنى دفع أي ثمن مقابل النجاح في الفرار منها ولا يستطيع، فهي تطارده في يقظته ومنامه، ويمكن لكلمة عابرة أو رائحة أن توقظها دون أي مقدمات. فهل أمنية محو الذكريات السيئة أصبحت اليوم قابلة للتحقق؟ هذا ما سنعرفه معًا.

السؤال صفر: كيف تصنع الذكريات؟

رغم الجهود البحثية التي تم بذلها لفهم عمل الذاكرة، فما زال حتى اليوم معقدًا للغاية وغير مفهوم بشكل كبير. فعدد من النظريات العلمية التي ناقشت آلية حفظ الذكريات تخضع للمناقشة باستمرار لإثباتها، ويمكن أن نستوعب صعوبة الأمر عندما نعرف أن الذاكرة تعتمد في عملها على شبكة معقدة من الخلايا العصبية، يصل عددها إلى حوالي 100 مليار خلية موجودة في أجزاء مختلفة من دماغ الإنسان.

لكن نستطيع فهم ما يحدث بشكل كبير بالاعتماد على تفسير الأبحاث العلمية التي أشارت إلى أن عملية تشفير الذكريات الجديدة تعتمد على منطقة “الحُصين” الموجودة في الدماغ، فهناك تتم معالجة المعلومات التي نتعرض لها على مدار اليوم، وتبقى في “الحصين” أقل من دقيقة.

خلال هذه الفترة القصيرة للغاية يحدد الدماغ إذا كانت هذه المعلومة مهمة، فتستحق نقلها إلى الذاكرة طويلة المدى من خلال الاعتماد على ترميزها في الدماغ بتكوين نقاط اشتباك عصبي جديدة، وبمرور الوقت تنتقل الخلايا العصبية المتعلقة بهذه الذكرى إلى القشرة الدماغية لتخزينها على المدى البعيد، ويتم تقوية روابط هذه الشبكة العصبية في كل مرة نتذكرها فيها.

وتساهم العاطفة بشكل كبير في تحديد ما إذا كانت المعلومة مهمة، فتُنقل إلى الذاكرة طويلة المدى، أو غير مهمة، فلا تتجاوز حدود “الحُصين”، لكن بمجرد انتقال الذكرى إلى الذاكرة طويلة المدى يتم تخزينها لفترة طويلة يمكن أن تصل إلى عمر الشخص كله.

لماذا نميل إلى تذكّر أتعس لحظاتنا أكثر من أسعدها؟

سيتبادر إلى أذهاننا بشكل بدهي تساؤل عن السبب الذي يجعل ذكرياتنا السيئة أسهل في الاستدعاء بشكل متلاحق من ذكرياتنا السعيدة، وذلك تشرحه لنا الباحثة “إليزابيث كيسنجر” في مقال بحثي نشرته مجلة “الاتجاهات الحالية في علم النفس” أكدت فيه أنه من الطبيعي تذكر الأحداث التي شكلت بالنسبة إلينا تهديدًا لحياتنا.

ولا يتوقف الأمر عند مجرد استرجاع ما حدث بسطحية، إنما تكون عملية التذكر مركزة على مصدر الخطر. فعلى سبيل المثال عند وجود أحد الأشخاص في محيط حادث إطلاق نار، ففي العادة سيتذكر شكل البندقية بوضوح، بينما لن يستطيع استدعاء التفاصيل الأخرى المتعلقة بمكان الحادثة مثل عدد الأشخاص الموجودين حوله أو أسماء المحال القريبة. ووفقًا لـ”كيسنجر”، فإن لذلك علاقة بصنع آلية دفاعية للحماية من الأحداث التي تهدد حياة الفرد حاليًّا أو مستقبلًا.

ومن خلال استيعاب السياق السابق لتعامل الذاكرة مع الأحداث السيئة نستطيع فهم أن الذكريات السعيدة مثل لحظات الزفاف أو النجاح لن تحظى بنفس أهمية اللحظات المهددة للحياة، فالدماغ وقت تسجيلها لن يركز على التفاصيل الدقيقة، إنما سيضمّنها في سياق عام أكثر.

يوجد عامل آخر مؤثر أيضًا أثبتته دراسة نشرتها “الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم” أجريت على مجموعة من الفئران، وجد الباحثون فيها أن الفئران عندما تتلقى صدمة في مكان وتوجد فيه بعد فترة، فإن فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي تظهر حدوث نشاط زائد في “الحُصين” و”اللوزة الدماغية” ومناطق مختلفة من “قشرة الفص الجبهي”.

يقودنا ذلك إلى عملية أخرى تكتمل بها الصورة، وهي أن تذكر الأحداث السلبية يكون مُرهقًا ويتسبب في إفراز الجسم لهرموني التوتر “الإبينفرين” و”الكورتيزول”، وهما هرمونان يساهمان بشكل فعال للغاية في تقوية الذاكرة، ومن ثم يتم تذكر أسوأ الذكريات بصورة قوية وواضحة للغاية.

علاج يمحو الذكريات السيئة.. هل تتحقق الأسطورة؟

انتشرت أسطورة قديمة في العصور اليونانية عن عقار يجعل الأشخاص ينسون ذكرياتهم المؤلمة، واليوم تبذل الجهود العلمية لتحقيقها على أرض الواقع. فقد أجرى الدكتور “آلان برونيه”، أستاذ الطب النفسي بجامعة “مكغيل الكندية”، دراسة على 60 شخصًا لديهم ذكريات صادمة في حياتهم. وجعلهم يقرأون على مدار من أربع إلى ست جلسات نصوصًا مكتوبة يصفون فيها الحدث الصادم، مع تضمين أكبر قدر من التفاصيل في سطوره، وكان ذلك يحدث تحت تأثير دواء “البروبرانولول” المعروف لعلاج ارتفاع ضغط الدم.

توصلت نتائج الدراسة إلى أن التجربة أضعفت الذكريات السيئة والألم المصاحب لتذكرها. فوفقًا لأحد الأشخاص الذين شاركوا فيها، وكانت تلاحقه ذكريات تعرضه لخيانة صادمة من شريكته، فإن ما وصل إليه أشبه بعملية قلب الصفحة، فلم يعد معنيًّا بحادثة الخيانة والعلاقة العاطفية التي تدمرت.

وإذا ما عدنا إلى الدكتور “برونيه” لسؤاله عن الهدف النهائي للدراسة سيخبرنا أنه غير مهتم بحذف الذكريات السيئة تمامًا من دماغ الشخص الذي تعرض لها، ففكرة محو الذاكرة تمامًا من خلال تعطيل الخلايا المسؤولة عن الأحداث الصادمة تثير قلقه، لأنه يراها جزءًا من هوية الشخص، والتي تميزه عن الآخرين.

لم يتوقف الأمر عند تناول الدواء، بل تعداه إلى تجربة الصدمات الكهربائية، وذلك ما تشرحه لنا دراسة أجريت عام 2014 ونشرتها مجلة “نيتشر” العلمية، وقامت على أساس استماع مجموعة من المرضى لقصتين مؤلمتين، وبعد مرور أسبوع تمت إعادة الاستماع لقصة واحدة فقط من القصتين، ثم بعدها مباشرة تلقوا العلاج بالصدمات الكهربائية، فوجدوا أن قدرتهم على تذكر القصة الأخيرة تراجع للغاية بالمقارنة مع القصة التي لم يُعَد سماعها، فما زالوا يتذكرونها بوضوح، وذلك أوصل العلماء الذين أجروا الدراسة إلى تأكيد أنه يمكن استخدام العلاج بالكهرباء لمحو الذكريات المؤلمة.

تقوي موقف الدراسة السابقة دراسة أخرى أجريت أيضًا عام 2014 في قسم الطب النفسي بكلية الطب في جامعة “أولم” الألمانية، وخضع فيها للعلاج بالكهرباء مريض يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة نتيجة تعرضه لحادث سيارة خطير، إضافةً إلى معاناته من الاعتداء الجنسي في مرحلة الطفولة.

على مدار ثماني جلسات كان يُطلب منه قبل كل جلسة استدعاء إحدى ذكرياته المؤلمة المتعلقة بحادث السيارة تحديدًا، وبعد انتهائه من السرد يتم تخديره ليتلقى العلاج بالصدمات الكهربائية، وفي نهاية المطاف كانت النتيجة مذهلة، فقد أصبح يتذكر بالكاد تفاصيل حادث السيارة، إلى جانب انخفاض أعراض القلق والاكتئاب.

نقاط إرشادية تضيء نفق الذكريات المظلم

بما أن الدراسات السابقة الإشارة إليها ما زالت حتى اليوم داخل سياق المداولات العلمية، ولم تعتمد حتى اللحظة حبة دواء لمحو الذكريات السيئة، فهناك بعض الإرشادات البسيطة التي باتباعها ستخف حدة حضور تلك الذكريات، مثل:

1- حدد المحفزات

عادةً ما تتحرك الذكريات السيئة وفقًا لمحفزات معينة موجودة في البيئة مثل صور أو روائح أو أصوات. بالطبع لا يمكن التحكم في جميع المحفزات، لكن على الأقل يمكن معرفة الأماكن أو المواقف التي تظهر بها، ثم سيكون لك الاختيار بين تجنبها تمامًا، أو إعادة ربطها بتجارب إيجابية وآمنة من أجل فك شباك الارتباط بين المحفز والذكرى السيئة.

2- اخدع عقلك

لا يمكن للشخص أن يوقف تدفق سيل الذكريات البائسة تمامًا، لكن يتاح له أن يخدع عقله، فبدلًا من أن يفكر في المشاعر القاتلة المصاحبة لتلك الذكريات يمكنه أن يذهب للسياق الذي حدثت فيه، سواء المتعلق بالمكان وتفاصيله أو الطقس وغيرها من العناصر الأخرى.

3- تحدّث مع معالج نفسي

يتبع الأطباء النفسيين أساليب فعالة للتقليل من آلام الذكريات السيئة، مثل كتابتها على الورق ثم سردها في أثناء الجلسة العلاجية لمناقشة جذورها وتأثيرها، فذلك يساهم في تخفيف الصدمة حتى وإن لم تُمحَ الذكرى تمامًا.

4- حافظ على نمط حياة صحي

يؤدي الإجهاد الناتج عن قلة النوم إلى زيادة فرصة ظهور الذكريات السيئة، لذلك من المهم الحصول على قسط كافٍ من النوم وممارسة الرياضة واتباع نمط غذائي صحي، فجميع ما سبق سيجعلك بعيدًا عن مداهمة الذكريات غير المرغوب فيها بنسبة كبيرة.

5- عندما لا تجدي الحلول نفعًا خصص وقتًا للتفكيرأحيانًا يصبح إلحاح الذكريات السيئة غير قابل للمقاومة، لكن لتقليل الآثار السلبية يمكنك أن تحدد وقتًا، على سبيل المثال 20 دقيقة يوميًّا، للتفكير في تلك الذكريات، وعندما تحضر إليك في منتصف اليوم أجّلها إلى وقتها المحدد حتى لا تفسد عليك حياتك.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter