أنت تقرأ الآن:

لماذا تتجه العديد من الدول إلى تقنين مخدر الحشيش؟

لماذا تتجه العديد من الدول إلى تقنين مخدر الحشيش؟

خلال الاحتفال السنوي الذي ينظمه محبو الحشيش في جميع أنحاء العالم يوم 20 إبريل، تجمَّع أكثر من 500 شخص من مشجعي تعاطي الحشيش والنشطاء البيئيين ومغني موسيقى الراب وضباط شرطة سابقين وأصحاب الأعمال الصغيرة المرتبطة بنبات القنب. وكان اجتماعهم أمام بوابة براندنبورغ التي تمثل رمز العاصمة الألمانية برلين، وذلك من أجل المطالبة بتقنين استخدامه لأغراض ترفيهية، إذ تسمح الحكومة باستعماله لأغراض طبية فقط. 

يقدّر عدد مدخني المخدر بشكل منتظم في ألمانيا فقط بحوالي أربعة ملايين شخص، حيث تعد أكبر سوق لتداول الحشيش في القارة الأوروبية. 

أحاطت قوات الشرطة بالتظاهرة، وطالبتهم بإيقاف الأغاني الصاخبة فورًا، لكنها لم تحاول منعهم بشكل حازم من تدخين مخدر الحشيش الذي فاحت رائحته في أنحاء المكان. يأتي هذا التساهل كنوع من لجم الحكومة لغضب المتظاهرين الذين ينتظرون البت في مشروع القانون الذي قدّمه منذ أعوام حزب “الخضر” الذي أصبح الآن جزءًا من الحكومة الائتلافية. أو ربما كانت إشارة من حكومة المستشار الألماني “أولاف شولتز” إلى أنها على وشك إصدار قانون يسمح باستخدامه لأغراض ترفيهية في أماكن مرخصة، كما صرح في ديسمبر الماضي، وذلك بهدف ما وصفه بأنه “حفاظ على جودة الحشيش” لحماية صحة الشباب من خلال منع خلطه مع المواد غير النقية، إذ يحتوي الحشيش المتداول حاليًّا على مواد اصطناعية نشطة تزيد من حدة الآثار السلبية للمخدر، مثل سرعة الإصابة بانهيار الدورة الدموية والتعرض للهلاوس بشكل أكبر.   

وقد أثبتت عدة دراسات أكاديمية التأثير السلبي الذي يسببه استهلاك مخدر الحشيش المتداول، إذ يؤدي إلى ضعف التركيز على المدى البعيد، خصوصًا بين المراهقين الذين لا تزال أدمغتهم في مرحلة النمو، وذلك لأن الدماغ الأمامي لا ينضج بشكل كامل حتى يبلغ الشخص منتصف العشرينيات. وهو يسبب ما يُعرف بحالة “تسمم القنب” عند استخدام كميات كبيرة منه، ويؤدي إلى ضعف الإدراك، وقلة التحكم في ردود الأفعال، وانخفاض القدرة على التعلم، وبخاصةٍ من خلال القراءة أو الاستماع، بسبب نقص التركيز والتسرع في اتخاذ القرارات، وبالتالي تدني التحصيل العلمي، واستهلاك وقت أطول لإنجاز المهمات المختلفة، مع احتمالية استمرار هذه الأعراض إلى ما بعد التعافي من التسمم، ما يجعل آثار استهلاكه أسوأ لدى المتعاطين المنتظمين.

والاستمرار في تعاطي الحشيش وزيادة كمية استخدامه قد يصيب المراهقين باضطرابات القلق، أو اضطراب ثنائي القطب، أو الاكتئاب، أو الذهان، وهو المصطلح الذي يُطلق على الحالات العقلية التي يحدث فيها خلل في عملية التفكير المنطقي والإدراك الحسي، مثل التعرض لنوبات هلوسة، أو توهمات ارتيابية، أو اضطراب عملية التفكير. 

وقد أشارت دراسة أجريت على مستوى الدول الأوروبية إلى أن الأشخاص المدخنين للحشيش يوميًّا أكثر عرضةً للإصابة بنوبات الذهان بثلاث مرات أكثر من الذين لا يستهلكون المخدر على الإطلاق.

من جهة أخرى، إذا كانت التأثيرات السلبية لاستهلاك مخدر الحشيش جسيمة، فلماذا يُقبِل بعض الأفراد على استخدامه؟

استخدامات الحشيش

تزعم بعض الدراسات المؤيدة لتقنين مخدر الحشيش أن الأفراد الذين يختارون استهلاكه قد يستهدفون تحسين نوعية حياتهم لأسباب طبية واجتماعية وروحية، لكن تأثير الحشيش يختلف حسب الشخص وطريقة الاستخدام والنوعية ومعدل الاستهلاك.   

من بين المزايا المُفترَضة لمخدر الحشيش أنه يساعد على الاسترخاء وإضفاء بعض الاستمتاع على الأنشطة المختلفة مثل: التواصل الاجتماعي والاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة الأفلام وممارسة الرياضة، ليصبح الحشيش جزءًا من الروتين اليومي مع اشتراط استخدامه بشكل عقلاني بطريقة لا تؤدي إلى عواقب صحية أو اجتماعية أو اقتصادية، الأمر الذي يبدو مبهمًا وغير ثابت من شخص إلى آخر.

ويأتي تأييد البعض لتقنين تداول الحشيش في ظل فهم غير دقيق لتعريف منظمة الصحة العالمية لمصطلح “الصحة” بأنه حالة من الراحة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليس فقط غياب العجز أو المرض.   

تُروّج بعض الأبحاث إلى أن مخدر الحشيش يُمكن استخدامه لأسباب طبية بديلًا عن الأدوية، إذ يقال إن أعراضه الجانبية أقل وفاعليته أكبر، سواء في علاج الغثيان وفقدان الشهية والألم والقلق والأرق والالتهابات والتشنجات العضلية والتهاب المفاصل والسرطان وفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والتصلب المتعدد والصرع واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه واضطراب ما بعد الصدمة. ويستخدمه بعض الأفراد كذلك في أثناء أعراض الانسحاب من مخدرات أخرى غير قانونية وأكثر خطورة.

ويدّعي بعض الأفراد أن مخدر الحشيش نبات روحي يساعدهم على التأمل واكتشاف منظور مختلف لفهم بعض المواقف الحياتية الصعبة، والتواصل مع الطبيعة.

وتزعم دراسة أجريت في جامعة ألميرا في إسبانيا أن استهلاك الحشيش يحسّن العلاقات الزوجية، خصوصًا بين الشركاء في عمر الشباب، والذين يعانون من القلق أو الخجل. كذلك قد يمنع الحشيش فيروس كورونا من دخول خلايا الجسم كوسيلة للوقاية من الوباء، وذلك حسب دراسة صادرة عن جامعة ولاية أوريغون في الولايات المتحدة.

لكن تظل الآثار السلبية للحشيش في الصحة الجسدية أو العقلية أو النفسية أكبر بكثير من المميزات المُفترَضة. وفي الوقت نفسه لا توجد طريقة صحيحة تصلح للجميع بشأن استهلاكه ولا جرعات معينة يُنصح بها، خصوصًا في ظل تأكيد بعض الأبحاث والدراسات العلمية على خطورة الأعراض التي يصاب بها الشخص المدخن للحشيش. فلماذا تُقدِم العديد من الدول على تقنين استخدامه؟

تقنين الحشيش

على الرغم من عدم شرعية استخدامه من الناحية القانونية، يعد الحشيش أكثر المخدرات تداولًا بين الشباب في مناطق عدة من العالم مثل أوروبا، بينما يمكن شراء المشروبات الكحولية ومنتجات التبغ التي قد تشترك مع مخدر الحشيش في مخاطرها الجسيمة وتأثيرها السلبي في الإنسان على المستوى الصحي والاجتماعي بشكل قانوني. على هذا الأساس قد يُفسَّر إقبال بعض دول الغرب على تقنين مخدر الحشيش، وبالتالي، فإن تمكين السلطات المعنية من مراقبة الجودة قد يأتي تحت شعار حماية المواطنين ودقة تقييم الآثار المجتمعية والقانونية.

مجتمعيًّا، يمثل مخدر الحشيش بوابة محتملة لبقية أنواع المخدرات. وبالتالي، إذا كانت المعادلة ربط خطورة مخدر ما بإمكانية استخدام المتعاطي لمخدرات أخرى، فالأجدر منع استهلاك منتجات التبغ والمشروبات الكحولية أيضًا، وليس تقنين مخدر الحشيش نفسه، إذ ثبت أن متعاطي الحشيش على الأرجح استهلكوا هذه المواد قبل إقدامهم على تجربة الحشيش.

من الفوائد المزعومة لنبات القنب علاج حالات مثل القلق واضطراب النوم وتسكين الألم وعلاج النوبات والاكتئاب والذهان. فقد لاحظت بعض الدراسات انخفاض استخدام الأدوية المتخصصة بهذه الحالات في الولايات الأمريكية التي تُشرّع استخدام الحشيش لأسباب طبية، ما قد يساعد بعض الحكومات التي تقدم برامج المساعدة الطبية في توفير تكلفة الأدوية الطبية باهظة الثمن في أحوال كثيرة، ولكن هذه الحكومات لا تملك معطيات ومعلومات كافية حول الأعراض الجانبية المصاحِبة لاستخدام الحشيش. 

الاقتصاد أولًا 

الدعوات إلى تقنين الحشيش لا تقتصر على ألمانيا. فمنذ تقنينه في ولاية كولورادو الواقعة جنوب غرب الولايات المتحدة عام 2012، كأول ولاية تُطبِّق بيع مخدر الحشيش وتداوله للاستخدام الترفيهي، يزداد التقبل المجتمعي له في الغرب، إذ يعتقد 91% من البالغين في الولايات المتحدة أن مخدر الحشيش يجب أن يكون تداوله قانونيًّا سواء للاستخدام الطبي أو الترفيهي أو كليهما على مستوى جميع الولايات، ويرغب أكثر من 50% من الأوروبيين في تطبيق الفكرة، وبالتالي يمكن للحكومات في أوروبا استغلال هذه الرغبة المجتمعية بهدف الاستفادة اقتصاديًّا، إذ تشير بعض الإحصائيات إلى احتمالية تجاوز إيرادات سوق القنب في أوروبا 3.27 مليارات دولار سنويًّا بحلول عام 2025.

في هذا الإطار ترى بعض الحكومات الغربية أن تقنين مخدر الحشيش مفتاح للانتعاش الاقتصادي، خصوصًا في أوقات الكساد، وحلٌّ لخلق وظائف جديدة بما يقضي على مشكلة البطالة. 

ففي الولايات المتحدة قدَّم أكثر من 36 مليون أمريكي طلبات للحصول على إعانات بطالة في الأشهر الأولى من انتشار فيروس كورونا، وبالتالي كان احتياج المواطنيين الأمريكيين للوظائف ملحًّا، وكانت الحكومة تبحث عن مصادر جديدة لإيرادات الضرائب. ووفرت صناعة القنب ما يقرب من 250 ألف وظيفة بدوام كامل في الولايات الأمريكية التي تقنن تداول مخدر الحشيش، أي أكثر من أربعة أضعاف العمال في صناعة الفحم في البلاد. 

ووفقًا لدراسة أجرتها المؤسسة الأمريكية “نيو فرونتير داتا”، المتخصصة في جمع المعلومات المتعلقة بصناعة القنب على مستوى العالم، فإن التقنين في الولايات المتحدة سيدر عائدات ضريبية تقدّر بحوالي 128.8 مليار دولار، وما يقدّر بنحو 1.6 مليون وظيفة جديدة.
ربما يكون السبب الاقتصادي وجيهًا لبعض الدول الغربية للخروج من تعثرها الاقتصادي، خصوصًا مع الأزمات الحالية المتتالية، لكنها في المقابل لا تأخذ بعين الاعتبار القيم الدينية والأخلاقية التي تبني مجتمعات أكثر تماسكًا وأقل عرضةً للإدمان، وهي لا تملك معطيات كافية عن الآثار الناتجة عن تقنينها مخدر الحشيش، إذ يتطلب ذلك جهدًا علميًّا وطبيًّا لتتبع التغيرات بين المتعاطين، ما يعرّض صحة مواطنيها، وبخاصة في عمر المراهقة، إلى خطر محدق، إذ أثبتت دراسة علمية حديثة أن تقنين مخدر الحشيش قد يؤدي إلى مزيد من تعاطي المخدر والإدمان لأنه سيجعل منه سلعة سهلة المنال، ويشجع على الاستهلاك الكثيف طويل المدى.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter