أنت تقرأ الآن:

ثقافة الإلغاء

ثقافة الإلغاء

في 2013، ستكتب جاستين ساكو، تغريدة مازحة على حسابها في تويتر، ذي الـ170 متابعاً فقط: “أنا ذاهبة إلى إفريقيا، أتمنى ألا أصاب بالإيدز. هذا مجرد مزاح، فأنا بيضاء”، ثم ستصعد إلى طائرتها. خلال الرحلة ستتحول جاستين إلى حديث تويتر الأول، وتنهال عليها الاتهامات بالعنصرية والجهل. حين ستفتح هاتفها أخيرًا ستجد رسالة من صديقتها المقربة: “اتصلي بي الآن”، لتطلعها على الحملة الموجهة ضدها قائلة: “أنتِ الآن التريند رقم واحد عالميًّا في تويتر”. بعدها سيتم فصل جاستن من عملها، وتعيش أيامًا سيئة، ثم بعدها بفترة، ومثل كل تريند آخر، سيتم نسيانها تمامًا، وفي 2018، ستعود إلى العمل في شركتها القديمة.

تمثل حالة جاستين نموذجًا لعنف “ثقافة الإلغاء” (Cancel culture)، وحدودها في الوقت نفسه. فجاستين التي حوكمت جماهيريًّا على نكتة غير موفقة، “حيث كانت تتهكم بالتحديد على الاعتقاد الجاهل بأن البيض لا يصابون بالإيدز”، لم تخضع لتحقيق عادل وروتيني، وتم فصلها، حفاظًا على الصورة العامة للشركة.

ما هي ثقافة الإلغاء (Cancel culture)؟

مستخدمو تويتر سيألفون هذا المصطلح لكثرة استعماله في المنصة. ثقافة الإلغاء (أو “الكنسلة” بالتعبير المصري للمصطلح)، هي ببساطة سحب الاعتراف العمومي من شخصية ما بسبب تصرفات يراها الجمهور عنصرية أو مؤلمة لفئات بعينها. وهي بالطبع، ظاهرة ثقافية موجودة في كل الأوقات، ولكن المصطلح اكتسب رواجه الحديث من منصات التواصل الاجتماعي التي تتيح لفئات واسعة من الجمهور إبداء رأيها الفوري والسريع في تصرفات الآخرين. الرواج الذي عادة يتحول إلى تهديدات بمقاطعة مؤسسات لن تخضع لحكم الجمهور بخصوص تصريحات بعض العاملين فيها.

معنى أن تلغي شخصًا (أو تكنسله) يشبه أن يتم إلغاء برنامج تلفزيوني أو حدث ما. هذا الشخص لم يعد مرحبًا به بأي شكل، هو بشكل ما نوع من النفي الجماهيري، لكنه هذه المرة لا يرتبط بالضرورة بكونك شخصية عامة من البداية، فبمجرد تحولك، عن طريق المصادفة، إلى “تريند”، تصبح شخصية عامة.

وربما لا تكون مصادفة أن يكون المصدر الأساسي لاستعمال المصطلح هو تويتر. فتويتر يبدو بيئة ممتازة لثقافة الإلغاء. أنت تعبِّر عن رأيك في مساحة ضيقة جدًّا، ما يعني أنك بالتأكيد ستختصر كلامك، فيبدو سطحيًّا أحيانًا ومتسرعًا، ودون سياق، وتكون أكثر عرضةً للتعرض للهجوم العنيف الذي سرعان ما يتصاعد إلى المطالبة بإلغائك. لهذا يروِّج المنتقدون للمصطلح وللظاهرة فكرة أنه ليس هناك أحد في مأمن من الإلغاء. وبتعبير المذيع الأمريكي الساخر “بيل مار”: إذا كنت تظن أن الإلغاء خاص بالمشاهير فقط، فأنت مخطئ. ففي عصر كل الناس أونلاين؛ فيه كل الناس شخصيات عامة”. لكن الظاهرة ليست بالبساطة التي تجعل انتقادات مثل هذه تنهيها، فهي تتشابك مع ظواهر أخرى، تديمها، وتجعلها صعبة التجاوز.

السياق الاجتماعي الأوسع لثقافة الإلغاء

يمكن اعتبار ثقافة الإلغاء الضلع الثالث لمثلث ضلعاه الآخران هما الصوابية السياسية (political correctness) التي تهتم بالاستعمالات اللغوية “الصحيحة”، خصوصًا عند الإشارة إلى مجموعات الأقلية أو ذات تاريخ من الاضطهاد مثل السود، وسياسات الهوية (Identity Politics)، المرتكزة حول دفاع المجوعات المظلومة، مثل النساء، عن حقوقها المهضومة تاريخيًّا، وامتلاك صوتها الخاص، وفرض نقاشاتها الذاتية. ولهذا غالبًا ما يكون منتقد أي ظاهرة من الظواهر الثلاث ناقدًا للظاهرتين الأخريين. سواء من باب الدفاع عن “حرية التعبير”، أو من باب رفض الأجواء العدائية والانقسام، والتي يرى المنتقدون أن هذه الظواهر تعززها. أغلب هذه الانتقادات يعتبرها الجانب المقابل انحيازًا للجانب القوي والمسيطر ضد الفئات المهمشة.

تضافُر الظواهر الثلاث يخلق حساسيةً وتحفزًا واضحَين لدى بعض الفئات للاحتجاج ضد تعبيرات ربما كانت ستمر بسلاسة في الماضي. والحساسية هنا ليست مجرد “مشاعر مرهفة مجروحة”، كما يتهكم عادةً منتقدو الظواهر الثلاث، بل غضب يهدف إلى تغيير الوضع الحالي.

معامل منفصلة

عام 2015، وفي مؤتمر علمي بكوريا الجنوبية، قال عالم الكيمياء الحيوية البريطاني “تيم هانت”، الحائز على جائزة نوبل: “دعوني أخبركم عن أزمتي مع الفتيات، ثلاثة أشياء تحدث عندما يدخلن إلى المعمل: ستقع في حبهن، سيقعن في حبك، وعندما تنتقدهن يبكين”. قال ذلك مدافعًا عن رأيه في أن تكون المعامل غير مختلطة. 

هذه التصريحات ستنفجر في وجهه بعدما يتم تناقلها على تويتر، وسيواجَه بسيل من الانتقادات التي اتهمته بعضها باختزال العالمات في مجرد “عوائق رومانسية في مكان العمل”. وستتبرأ المؤسسات التي يعمل بها من تصريحاته، بعدها سيتقدم باستقالته للجامعة، ويعتذر عن كلامه بأنه لم يكن يقصد الإساءة للسيدات، بل أن يكون أمينًا في إظهار عيوبه الشخصية. وستكون هذه فرصة أمام كثيرات للحديث عن العوائق التي تجدها العالمات في حياتهن الأكاديمية.

تتضافر في حادثة “تيم هانت” كلٌّ من: الصوابية السياسية؛ حيث رأى بعضهم أنه أخطأ في تعبيراته عن زميلاته العالِمات، وسياسات الهوية؛ حيث استخدمت السيدات الفرصة للحديث عن مظالمهن داخل الدوائر العلمية، وثقافة الإلغاء؛ حين تمت معاقبته على تصريحاته تلك. 

نفس هذه العوامل ستتضاعف عشرات المرات، حين ستنطلق الحملة النسوية “أنا أيضًا” #METOO.

اندفاعة كبرى: “أنا أيضاوحياة السود مهمة

اكتسب مصطلح “ثقافة الإلغاء” رواجه الأكبر خلال حملة “أنا أيضًا”، والتي عبَّر فيها كثير من النساء عن تجاربهن مع التحرش الجنسي، حيث اتهمن كثيرًا من المشاهير. ربما كانت القضية الأكبر قضية المنتج الهوليوودي الشهير “هارفي وينستين” الذي اتهمته ممثلات وعاملات في السينما بالتحرش والاغتصاب، وذلك قبل أن تحكم عليه محكمة أمريكية بالسجن لمدة 23 عامًا، في هذه الاتهامات نفسها. 

لكن وينستين لم يكن وحده. فممثلون آخرون مثل “كيفين سبايسي” تم اتهامهم بالتحرش، وأعلنت شركة “نتفلكس” فض شراكتها مع “كيفين”، فتعطلت كل مشروعاته الدرامية. 

اكتسحت حملة “مي تو” العالم كله تقريبًا، حيث وجدت فيها النساء الوسيلة المناسبة لمشاركة تجاربهن الأليمة مع الاعتداءات الجنسية. صحيح أن كثيرًا من قضايا التحرش تم رفعها في المحاكم، لكن لأن غالبية حوادث التحرش الجنسي يصعب جدًّا إثباتها أمام المحاكم، فقد كان “الإلغاء” الوسيلة الأساسية للحملة لمعاقبة المتهمين بالتحرش. 

ومثل حركة “أنا أيضًا”، فجَّرت الحركة الاحتجاجية على مقتل الأمريكي الإفريقي “جورج فلويد”، على يد شرطي أبيض موجةً أخرى من “الإلغاء” طالت العديد من الفنانين، حيث تم فصل كثيرين من أعمالهم بسبب اتهامهم بالعنصرية، بل وصل الأمر إلى مطالبات بـ”وقف تمويل الشرطة”. 

ومثلها أيضًا، انفجر معها النقد لآليات الإلغاء التي اعتمدتها الحركتان ضمنيًّا. في مواجهة هذا النقد يدافع أنصار الحركتين بأن “الإلغاء” إنما جاء بالذات في مواجهة غياب المحاسبة الحقيقية في مؤسسات مبنية على التجاهل المنظم لاحتجاجات هذه الفئات المظلومة، وأنه من المفارقة أن يتم دعوة المحتجين للاحتكام إلى مؤسسات وقوانين هم بالأساس يحتجون على انحيازها البنيوي لمضطهديهم. وصحيح أن من حق الآخرين؛ الرجال مثلًا، في مواجهة حركة “أنا أيضًا”، أن ينتقدوا “القوة الجديدة” ليتأكدوا أنها لن تظلمهم. فمن حق النساء أن تتأكد من عدم استمرار “القوى” المخصصة لإدامة تجاهل مظلومياتهم. ويكون “الإلغاء” هنا قانونًا يحمي من لا يحميه القانون.

“حوارات” محتدمة

في يونيو 2020، وكرد فعل على “موجة الإلغاء” التي فجَّرتها حركة “حياة السود مهمة”، وقّع أكثر من 150 شخصية عامة في أمريكا وأوروبا، منهم أسماء شهيرة مثل عالم اللغويات نعوم تشومسكي، والكاتبة  البريطانية ج. ك. رولينغ، والروائي ذو الأصل الباكستاني سلمان رشدي، وأسطورة الشطرنج الروسي غاري كاسباروف، وعالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكاياما، “خطابًا من أجل العدالة والحوار المفتوح”، ينتقد ضمنيًّا ثقافة الإلغاء والصوابية السياسية. وكان من ضمن الخطاب أن: “المحررين يتم فصلهم لعملهم على قطع صحفية مثيرة للجدل، الكتب يتم رميها لاتهامها بعدم الأصالة، الصحفيون يتعرضون للفصل حين يكتبون عن موضوعات معينة، أساتذة الجامعات يجري التحقيق معهم حين يستشهدون بمراجع معينة في تدريسهم، والباحثون يُطردون لنشرهم أبحاثًا مُحكَمة في مجالاتهم، ورؤساء منظمات يُطرودون كذلك لمجرد أخطاء حمقاء. مهما تكن الحجج حول كل حادث معين، فإن النتيجة هي التضييق المستمر لما يمكن قوله دون التهديد بالمحاكمة. نحن ندفع بالفعل ثمن مخاطرة كبيرة في أن الكتَّاب والفنانين والصحفيين قلقون على سُبل عيشهم إذا هم خالفوا الاجتماع…

سيؤدي هذا الجو الخانق في النهاية إلى الإضرار بأكثر القضايا حيويةً في عصرنا. إن تقييد النقاش، سواء من حكومة قمعية أو مجتمع غير متسامح، يؤذي دائمًا أولئك الذين يفتقرون إلى السلطة، ويجعل الجميع أقل قدرةً على المشاركة الديمقراطية. 

إن طريقة دحر الأفكار السيئة تكون عن طريق الكشف والحجة والإقناع، وليس بمحاولة إسكاتها. نرفض أي اختيار خطأ بين العدالة والحرية، واللتين لا تستطيع إحداها أن توجد دون الأخرى. ككتّاب؛ نحتاج إلى ثقافة تتيح لنا مجالًا للتجريب والمخاطرة، بل حتى الخطأ. نحن بحاجة إلى الحفاظ على إمكانية الخلاف دون عواقب مهنية وخيمة. إذا لم ندافع عن هذا الأمر الذي تتمحور حوله كل مهنتنا، فلا ينبغي أن نتوقع أن يدافع عنه الجمهور أو الدولة نيابة عنا”.

الخطاب نفسه أثار غضبًا واسعًا، ودفع مجموعة أخرى من الصحفيين للرد بـ“خطاب أكثر تفصيلًا عن العدالة والحوار المفتوح”، حاولت فيه تفنيد الخطاب الأول، الذي اتهمته بالعمومية وعدم طرح أمثلة واضحة يمكن نقاشاتها، وأن المظالم التي تحدَّث عنها الموقِّعون على الخطاب الأول “لطالما وقعت لصحفيين وأكاديميين وكتَّاب تم تهميشهم من مؤسساتهم، لكن ليس بالطريقة التي يحاول الخطاب تسليط الضوء عليها. المشكلة التي ناقشها الموقِّعون نادرة جدًّا بالنسبة إلى كتَّاب مرموقين، ولكنها شائعة ومستمرة لأصوات طالما تم إسكاتها.. ومن المفارقة أن يتحدث الموقِّعون عن “دفعهم ثمن المخاطرة الكبيرة” في وقت احتجاجات قوية من أجل العدالة العرقية والاجتماعية”… فحرية المثقفين البيض لم تكن قط في خطر، خصوصًا عندما تقارَن بمعاملة كتَّاب الأقليات على مدار الأجيال. في الحقيقة هؤلاء المثقفون لم يواجهوا عقبات أفعالهم، بل مجرد عدم راحة مؤقت”.

إلغاء ثقافة الإلغاء؟

يبدو أن “المشاهير” يقفون دومًا ضد ثقافة الإلغاء، أيًّا كانت خلفياتهم، فحتى إيلون ماسك يدعو إلى “إلغاء ثقافة الإلغاء”. هذه المفارقة التي يشير إليها منتقدوهم، حيث يفضل المشاهير مناقشة “ثقافة الإلغاء” في ذاتها، بينما يربطها الآخرون بالسياق العام المجتمعي والمؤسسي والقانوني الذي يتيح لأفراد وشرائح معينة الإفلات المنهجي من المحاسبة، بل يرون أن “ثقافة الإلغاء” نفسها ليست بتلك الشراسة التي يصورها بها خصومها، فغالبًا ما يتمكن الأفراد “الملغيين” من العودة إلى المشهد، إذا استثنينا الحالات شديدة الفجاجة. 

بالنسبة إلى بعض منتقدي ثقافة الإلغاء، فالنقطة الجوهرية هي الإيمان بأن الناس يمكنهم أن يتغيروا ويتعلموا من أخطائهم، وبالنسبة إلى المدافعين عنها، فهذه من المرات القلائل التي تمتلك فيها الأقليات صوتها، ودون القدرة على محاكمة مؤسسة عادلة، فيمكن لهذه الأقليات على الأقل أن تنظم مقاطعة مجتمعية. 

الأكيد أن ثقافة الإلغاء لا يمكن رؤيتها معزولةً عن المشهد الأكبر، وبالتحديد، عن محاولة المجموعات المظلومة الدفاع عن نفسها بتغيير “السائد” و”المقبول”، وترسيخ إمكانية محاسبة من لا يمكن محاسبتهم.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter