أنت تقرأ الآن:

ديون سالبة الفائدة – لغز الديون اليابانية

ديون سالبة الفائدة – لغز الديون اليابانية

إن تجارب غالبية دول العالم مع الديون السيادية، تؤكد أن زيادتها مؤشر دومًا على ضعف اقتصاد البلد، وتدني مستوى المعيشة. لذلك عندما نسمع عن أن أعلى البلاد مديونية في العالم، بلغ دينه السيادي 9.8 تريليونات دولار، بنسبة 238% من ناتجه المحلي الإجمالي، فمن المنطقي أن نفكر في إجراءات تقشف، وتضخم هائل، وتعويم عملة، وانهيار اقتصادي قاصم للظهر. 

لكن ماذا إذا قلت لك إن اقتصاد هذا البلد هو ثالث أكبر اقتصاد في العالم؛ بعد أمريكا والصين، وإن الدائنين يتسابقون لمنحه القروض بفائدة سلبية في بعض الأحيان (أي إن الدائن من يدفع الفائدة للمديون، وليس العكس)؟

ذلك البلد هو اليابان، وفهم معضلة الديون اليابانية يتطلب نظرة متفحصة للبنية الاقتصادية اليابانية، والتي تم وضع حجر الأساس لها بعد الحرب العالمية الثانية.

الاقتصاد المعجزة

يطلق المؤرخون على تجربة تطور الاقتصاد الياباني دومًا لقب “المعجزة”. وهو وصف لا يتسم بالمبالغة، خصوصًا عند النظر إلى حجم الدمار الهائل الذي تكبدته اليابان في الحرب العالمية الثانية.

برغم ذلك، تمكنت اليابان في الأعوام التالية من تحقيق أسرع نمو اقتصادي عالمي، ربما في التاريخ كله. فمثلًا وصل إجمالي الناتج المحلي الياباني عام 1965 إلى 91 مليار دولار أمريكي، وبعد خمسة عشر عامًا فقط بلغ إجمالي الناتج المحلي 1.065 تريليون دولار. وتربعت على مقعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الأمريكي، حيث ظلت في هذه المرتبة حتى تجاوزتها الصين في 2014 لتصبح اليابان الثالثة.

ونتيجة لخطة حكومية يابانية اقتصادية حكيمة، وانضباط، وتعاون شعبي كامل بشكل قلما يتكرر وجوده في التاريخ، صارت اليابان أول الشعوب الآسيوية تحقيقًا لنهضة اقتصادية، حتى أصبحت تحقق في الستينيات معدل نمو 10% سنويًّا، وهو معدل غير مسبوق في تلك الآونة. 

بحلول الثمانينيات صار في اليابان كم هائل من الثروة لدرجة أن سوق العقارات شهدت طفرات مجنونة إلى حد كبير. فقد قُدِّر مثلًا أن مساحة الأرض التي يقع عليها القصر الإمبراطوري في وسط طوكيو، بمساحة لا تزيد على 3.4 كيلومترات مربعة، تفوق قيمتها كل أراضي كاليفورنيا الأمريكية مجتمعة. 

بالطبع لم يُعرَض القصر الإمبراطوري للبيع، ولم يكن ذلك إلا تقدير جاء بناءً على سعر الأراضي في تلك المنطقة، لكنه يعطيك تخيلًا لحجم الأموال المتدفقة في اليابان حينها.

الكل بات يتكهن بمتى ستطيح اليابان بأمريكا كالقوة الاقتصادية الأعظم في العالم، إذ إن الشركات اليابانية كانت تكبر، ومدنها باتت الوجهات السياحية الأكثر شعبية، وسياراتها وإليكترونياتها تغزو أسواق العالم.

ثم بحلول التسعينيات بدأت الأمور تتغير.

العقد الضائع

إجمالي الناتج المحلي لليابان الآن يساوي تقريبًا 4.9 تريليونات دولار. هذا رقم ضخم، ويعني اقتصادًا مزدهرًا، لكن إجمالي الناتج المحلي لليابان في 1994 كان أيضًا 4.9 تريليونات دولار. صعد الرقم وهبط أكثر من مرة، لكنه كان دومًا يعود إلى النقطة ذاتها على مدار الأعوام الثلاثين المنقضية، ما يعني أن اليابان لم تحقق طوال ثلاثة عقود أي نمو تقريبًا.

يشاع بين مؤرخي الاقتصاد استخدام مصطلح “العقد الضائع”، للإشارة إلى فترة التسعينيات التي شهدت تباطؤ نمو الاقتصاد الياباني بعد قرابة نصف قرن من النمو المتسارع. 

أسباب هذا التباطؤ متعددة، وهناك نظريات عدة لتفسيره. إذ يُرجع بعضهم نقطة البداية إلى “اتفاقية بلازا” التي سعت لخفض سعر الدولار أمام “الين”، ما فتح الطريق أمام الصادرات الأمريكية للعالم على حساب الصادرات اليابانية، إضافةً إلى ارتفاع معدل إنفاق اليابانيين بعدما شعروا بأن مدخراتهم تضاعفت قيمتها لارتفاع قيمة الين المفاجئة، فبدأوا بالإنفاق على السلع الاستهلاكية والرفاهية بشراهة، ما أدى إلى تضخم غير مسبوق وارتفاع مذهل في أسعار سوق العقارات، أعقبه إجراءات حاسمة من وزارة المالية أدت إلى رفع أسعار الفائدة بشكل حاد، وصدور أمر للبنوك بتقليص حجم إقراضها العقاري.

كل ذلك أدى إلى انخفاض قيمة العقارات في اليابان بنسبة تجاوزت 80% مقارنةً بأعلى مستوى لها. وخسرت اليابان ثروات تعادل قيمة ثلاثة أعوام من إجمالي ناتج الدخل المحلي.

إضافةً إلى فقاعة العقارات، بدأت عوامل أخرى تؤثر في الاقتصاد الياباني، ولم ينتفِ تأثيرها حتى الآن. منها أن اليابان صاحبة أقل معدل إنجاب في العالم، ونظام رعاية صحية شديد الكفاءة، حيث ترتفع نسبة المسنين غير القادرين على العمل، وتُسخَّر موارد الدولة لرعايتهم، دون أن يحل محلهم أجيال جديدة قادرة على سد الفراغ. منها كذلك بزوغ نجم دول آسيوية عديدة أخرى، على رأسها الصين وتايوان وكوريا الجنوبية، في إنتاج البضائع والبدائل الأرخص وتصديرها، فلم تعد السيارات والإليكترونيات اليابانية تحكم العالم مثلما كانت.

وتوقفت عجلة النمو اليابانية حتى الآن.

الديون

للخروج من الأزمة، ضخت الحكومة اليابانية نقودًا كثيرة لمحاولة إنعاش الاقتصاد، ما أسهم في زيادة المديونية للمرة الأولى. ثم قبل أن تفيق اليابان ضربت الأزمة الاقتصادية الآسيوية عام 1997 بلاد جنوب شرق آسيا، لتضرب اقتصاد اليابان مثل جيرانها، ولجأت الحكومة إلى التدخل بنفس الطريقة.

كان نسبة الدين مقارنة بالناتج المحلي الياباني عام 1980 لا تتجاوز النصف، لكنها تجاوزت الناتج عام 1997 لأول مرة، ومنذ ذلك الحين يتزايد إجمالي دين اليابان حتى يبلغ 230% من إجمالي الناتج عام 2011 ليبلغ الآن 237% من إجمالي الناتج. 

اللغز هنا، كيف لا ينهار الاقتصاد الياباني رغم أن ديون طوكيو أكبر ضعفين ونصف الضعف من كامل اقتصادها تقريبًا؟ بل الأدهى أنها لا تزال تستدين دون فوائد، أو بفائدة سالبة أحيانًا!

الحقيقة أن 93% تقريبًا من ديون اليابان يمتلكها اليابانيون. فالبنك المركزي الياباني مثلًا يمتلك 46% من سندات الحكومة. من المفترض أن تلتزم الحكومة بدفع الدين للبنك المستقل قانونًا عنها، لكن عمليًّا يتغاضى البنك عن المطالبة. وبقية الـ93% تمتلكها شركات وبنوك خاصة وأفراد وصناديق تقاعدية ويابانية. هكذا يستثمر اليابانيون ثرواتهم في السندات الحكومية. 

الديون الأجنبية اليابانية لا تتجاوز 6.4% تقريبًا، هكذا لا تتعرض لأي ضغط أجنبي يؤثر في شؤونها الداخلية مثلما مع بقية الدول التي تستدين من دول ومؤسسات عالمية.

والأهم، كل الديون اليابانية بعملة “الين” لا الدولار، وذلك إذا تعرضت لأي ضغط للسداد الفوري، فبوسعها طباعة عملات وتسديدها فورًا. 

هكذا صارت الديون اليابانية، رغم أنها الأعلى في العالم، أكثر الخيارات الاستثمارية جاذبيةً. لذلك عندما تطرح سندات للبيع خارج اليابان، يتكالب عليها المستثمرون الباحثون عن ملجأ آمن لحفظ ثرواتهم، حتى لو كان ذلك يعني أنهم مَن سيدفعون فائدة على الديون التي يقدمونها سنويًّا، في واحدة من أكثر العمليات المالية غرابةً في العالم.

لكن ما الذي يدفع مستثمرًا أجنبيًّا إلى وضع أمواله في السندات اليابانية، ما يضمن خسارة سنوية ثابتة؟ على الأرجح يكون هؤلاء المستثمرون عبارة عن صناديق تحوُّط وصناديق ثروات سيادية تعمل على تنويع استثماراتها بين الخطِرة عالية الربح والآمنة منخفضة الربح. 

شراء السندات اليابانية من أكثر الاستثمارات الآمنة في العالم الآن. فقوة الاقتصاد الياباني تضمن أن المستثمر سيستطيع استرداد أمواله فور أن يطلبها في أي وقت. إضافةً إلى أن طرح اليابان السندات بعملتها المحلية يعني أنها إذا عجزت عن السداد يومًا، فلن تعاني مشكلة في طباعة العملات وتسديد الديون بها، دون قلق من التضخم، فالتضخم ليس مشكلة مطروحة في اليابان من الأساس. 

هكذا تظل القيمة المستثمَرة في اليابان آمنةً أكثر من غيرها. عندها تكون الفائدة السالبة الضئيلة بمنزلة إيجار سنوي، إذا جازت التسمية، للاحتفاظ بغالبية القيمة آمنة.

لعنة الثراء

يعاني الاقتصاد الياباني من مرض آخر: الثراء الزائد.

فهْمُ هذا صعب قليلًا في بلادنا التي تعاني من التضخم والتعويم، وزيادة أسعار المنتجات سنويًّا. في اليابان يحدث العكس، فبرغم الديون يصاحب نموَّ الاقتصاد الياباني نموٌّ في قيمة العملة، أي إن المنتجات تصبح أرخص كل عام لا أغلى، فلا يحدث تضخم في الاقتصاد، بل انكماش.

ربما يبدو هذا أمرًا طيبًا، لكن بالنسبة إلى البنوك المركزية، فذلك مؤشر خطير أيضًا. يحتاج البلد ذو الاقتصاد النشط السليم إلى معدل تضخم صحي في حدود 2% سنويًّا. تخيل أن أموالك التي كنت تنوي أن تشتري بها “تويوتا” هذا العام، قد تكفي لشراء “مرسيدس” بعد عامين، فهل ستنفقها على “تويوتا” أم ستنتظر؟ 

هكذا يؤدي الانكماش إلى قلة عمليات التبادل التجاري واحتفاظ المواطنين بأموالهم أكثر فأكثر، ما يبطئ من عجلة الاقتصاد، وقد يؤدي بالتجارة إلى توقف تام إذا استمر. لهذا تسعى اليابان إلى تشجيع المواطنين على الإنفاق، وخفض معدلات الفائدة لتشجيع الحصول على قروض، كي يستثمر اليابانيون، المتحفظون بطبعهم، أموالهم ولا يحتفظون بها راكدة. وطبعت اليابان بالفعل أموالًا بلغت ضعف العملات المتداولة حينها، وذلك لتعزيز نسبة التضخم المفقودة.

الاقتصاد الياباني رغم غرابته، فإنه نموذج للأمراض التي قد تعاني منها الاقتصادات المتنامية باستمرار، أمراض العالم الأول بمعنى أدق. ربما تلك مشكلات لن يعاني منها غالبية دول العالم في أي وقت قريب، لكنها دون شك حالة جديرة بالمتابعة المستمرة ومحاولة فهم المسببات والنتائج وتخمين التالي، فربما… فقط ربما، تستقر بالمصادفة بعض بلادنا ذات يوم وتنمو وتنمو حتى تتعرض لخطر بهتان الاقتصاد مثل اليابان، حينها قد يكون من المفيد أن يكون لدى أحدنا فكرة عما يحدث.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter