أنت تقرأ الآن:

النفط الصخري الأمريكي

النفط الصخري الأمريكي

رغم التطور الهائل في مجال الطاقة النظيفة، فإن الوقود الأحفوري يظل مُهيمنًا على سوق الطاقة في العالم حتى يومنا هذا، حيث يُمثِّل ثمانين بالمئة من مجموع الطاقة المُستهلَكة عالميًّا. وبينما يشهد السوق مخاوف شركات الطاقة من تراجع الاحتياطي العالمي مع بداية القرن الحالي، وتتوالى التخمينات والتصريحات “المتشائمة” عن نهاية النفط، ثمة ثورة إنتاجية تتسرب ببطء من شقوق الصخور الرسوبية في أعماق ولايتي تكساس ونورث داكوتا الأمريكيتين، مَهَّدتها تقنية تُعرف بـ”التصديع الهيدروليكي” (hydraulic fracturing) أو (Fracking)،  وبينما تُبشِّر تلك الثورة باستمرار النفط، فإنها تُهدد بنهاية الحياة على الأرض.   

سنوات النفط الضوئية

خلال السبعينيات أشارت أبحاث مُموَّلة من اللجنة الفيدرالية الأمريكية لتنظيم الطاقة، إلى أن كتلة كبيرة من الصخور المُشبعة بالغاز موجودة في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة.

هذه الصخور الرسوبية السوداء تحتوي على نسبة عالية من “الكيروجين”، ويُمثل الكيروجين مزيجًا من المواد الهيدروكربونية ذات الكتلة الجزيئية الكبيرة جدًّا، والتي لدى بلوغها درجات معينة من الضغط والحرارة أسفل القشرة الأرضية، تتحلل (في عملية استغرقت ملايين السنين) منتجةً النفط الخام والغاز الطبيعي اللذين نعرفهما. والكيروجين الذي يحتويه الصخر (الزيتي)، هو ذلك الذي لم يبلغ المرحلة النهائية في طريق التحول إلى النفط والغاز التقليديين. لكن باستعمال تقنية تُدعى “التصديع الهيدروليكي” يُمكن أن يُستخرَج منه ما صار يُعرف بالغاز والنفط الصخريين.

يعمل التصديع الهيدروليكي عبر ضخ كمية كبيرة من الماء المضغوط لشق الصخور الزيتية وفتح تجاويف داخلها تسمح بخروج الغاز، بينما يُحافظ الرمل المعالَج كيميائيًّا على إبقاء تلك التجاويف مفتوحة في أثناء خروجه.  

استُعملت هذه التقنية بشكل محدود منذ أربعينيات القرن العشرين في حفر بعض الآبار، إذ حالت التكلفة المرتفعة (الطاقة المُستهلَكة في عملية الاستخراج مقارنةً بالإنتاج) دون تطبيقها على نطاق واسع، لكن في عام 1977، عمل المهندس نيك شتاينسبرجر، من شركة ميتشل للطاقة، على تطبيقها باستخدام كميات أكبر من المياه المُندفعة بضغط أكبر، وذلك في بعض الآبار في شمالي شرق تكساس.

أدت هذه التقنية إلى استخراج الغاز الصخري بشكل أكثر جدوى اقتصاديًّا، لكن لم تُشجِع الأرباح المُتوقَعة باقي الشركات على الاهتمام بالغاز الصخري، بسبب ضيق مساحة الصخور التي يُمكن كشفها وتكسيرها عبر الحفر العمودي التقليدي، وتفاهة إنتاجها مقارنة بتكاليف العملية.  

لكن جورج ميتشيل، وهو مهندس وجيولوجي ومؤسس شركة ميتشل للطاقة، كان قضى العقد الممتد بين 1980 و1990 مُحاولًا استخراج الغاز الصخري بطرق أكثر اقتصادية، فكان له السبق في دمج عملية التصديع الهيدروليكي بعملية الحفر الأفقي، أي الحفر بزاوية مائلة تتيح زيادة كتلة الصخور المُعرَّضة لعملية التصديع، والتي تطورت كثيرًا بحلول الثمانينيات، والتي طبقها ميتشل في حفر بئر بارنيت بشمالي تكساس عام 1991، حيث أتاحت كشف مساحة أكبر من الصخور الحاملة للغاز، وبالتالي زيادة الكمية المُستخرجَة وارتفاع جدواها الاقتصادية، فقد تَمكّنت الشركة في العام نفسه من إنتاج 60.5 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وبحلول عام 2005، كان بئر بارنيت ينتج ما يقرب من نصف تريليون قدم مكعب من الغاز الصخري سنويًّا.

الفردوس المؤقت

دفعت هذه النتائج المستثمرين إلى حقول الغاز الصخري الجديدة، ما تسبب في زيادة إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي بمعدلات كبيرة للغاية، حيث قفز الاحتياطي الكلي من 186 مليون قدم مكعب في عام 2000 إلى 504 تريليونات قدم مكعب عام 2019، يحتل الغاز الصخري فيها حصة الأسد بما نسبته 71%

U.S. Energy Information Administration (EIA) :الاحتياطي الأمريكي من الغاز الطبيعي، المصدر  

نسبة الغاز الصخري من الاحتياطي الكلي للغاز الطبيعي الأمريكي، المصدر: U.S. Energy Information Administration (EIA)

لكن تجربة “ميتشل” ظلت حصرية على الغاز دون النفط، فقد ساد اقتناع بين الشركات المُنقّبِة عن النفط (حتى الكبرى منها) بأن طريقته صالحة فقط لاستخراج الغاز بسبب سهولة عبور جزيئاته الصغيرة نسبيًّا من التجاويف التي تصنعها عمليات التصديع الهيدروليكي مُقارنةً بجزيئات النفط الأكبر بمراحل. لكن شركة EOG Resources، وبمبادرة من رئيسها التنفيذي مارك ج. بابا، وبعد دراسة الصخر الزيتي باستخدام الماسحات الضوئية، انتهى مارك إلى أنه على الرغم من أن المساحات بين التجاويف الصخرية كانت صغيرة للغاية، فإنها ظلت كبيرة بما يكفي ليتدفق النفط من خلالها. اتجهت الشركة إلى منطقة إيجل فورد جنوبي تكساس، والتي تحتوي تشكيلًا صخريًّا عُرِف في ما مضى باحتوائه على كمية كبيرة من الصخور الزيتية، لكن الشركات الكبرى تجاهلته طيلة عقود لاعتقادها باستحالة استخراجه. 

هكذا، نجحت شركة EOG في عام 2006، وباستعمال مزيج الحفر الأفقي والتصديع الهيدروليكي الخاص بميتشل، في اكتشاف احتياطيات من النفط الصخري قدرها 990 مليون برميل. هنا تدخلت الشركات الكبرى للاستحواذ على أكبر مساحة من الأراضي بولاية تكساس، حيث حقل برميان الذي اشتهر بإنتاج النفط التقليدي على مدار القرن الماضي، وقد استعاد أهميته مُتجسدةً في احتياطيات النفط الصخري الهائلة الموجودة به، والتي يُمكن الآن استخراجها بطريقة أسهل، هذه الاحتياطات التي قُدرت بداية بـ5 مليارات برميل.

وقد تبعت تكساس ولايات أخرى، مثل ولاية نورث داكوتا، حيث أعادت شركة Brigham Exploration استكشاف تشكيل بيكن الصخري، والذي شهد بين خمسينيات القرن العشرين وثمانينياته عمليات تنقيب خفيفة لاستخراج النفط بدقِّ الصخور عموديًّا. أما هذه المرة، فقد طبَّقت الشركة تقنية ميتشل المزدوجة إلى أن نجحت خلال عام 2008 في حفر بئر أولسن الصخري بطاقة 1400 برميل نفط صخري يوميًّا.  

وعلى إثر ذلك اندفعت الاستثمارات إلى منطقة بيكن، فتضاعف عدد الحفارات في ولاية داكوتا الشمالية من خمسة وثلاثين إلى خمسة وسبعين، ثم تضاعف مرة أخرى إلى 173 بحلول نهاية عام 2010، وحيث تحول العديد من البلدات الريفية الهادئة إلى مناجم صاخبة، ليكون ذلك بمثابة الإعلان عن ثورة النفط الصخري الأمريكي.

ومع تزايد الاستثمارات في النفط الصخري قفز إنتاج الولايات المتحدة من خمسة ملايين برميل يوميًّا عام 2008 إلى أكثر من 8 ملايين برميل عام 2016، ثم 12.25 مليون برميل عام 2019، مُحولًا إياها إلى المُنتِج رقم واحد عالميًّا.

إنتاج الولايات المُتحدة من النفط (مليون برميل لكل يوم) المصدر: U.S. Energy Information Administration (EIA)

لم يكن لثورة النفط الصخري أن تدوم أكثر من ذلك، ففي البداية تسببت طفرة الإنتاج بين 2014 و2016 في هبوط سعر برميل النفط من 115 دولارًا إلى ما دون 30 دولارًا، ثم تسببت ظروف الإغلاق إثر جائحة كورونا العام الماضي بانخفاض الطلب العالمي على النفط بمقدار الثلث تقريبًا، ما هبط بسعر البرميل إلى ما دون الصفر للمرة الأولى في التاريخ، ثم تراجع إنتاج الولايات المتحدة من 12.25 إلى 11.31 مليار برميل يوميًّا، ما تسبب في تسريح الشركات لأعداد كبيرة من موظفيها وعمالها، وإعلان أكثر من مئة شركة إفلاسها.

الجحيم الكربوني

تستنزف عمليات التصديع الهيدروليكي (في الولايات المتحدة وحدها) نحو 500 مليون متر مكعب من المياه النظيفة سنويًّا، (ما يعادل كمية المياه التي تستهلكها ولايتا شيكاغو وهيوستن مجتمعتين في عام واحد) تتحول إلى مياه مُسممة بفعل المواد الكيميائية المضافة إليها. مع تسرب كميات من غاز الميثان إلى خطوط مياه الشرب في المناطق حيث تنتشر آبار الحفر، والتي تؤدي إلى تسرب الغاز من صنابير المياه المنزلية، إضافةً إلى تلويث المياه الجوفية، ناهيك بالرماد الضار بالرئة والعين، والذي تُخلفه عمليات التصديع فوق سطح الأرض (بكميات تفوق الحفر التقليدي).

إلا أن الخطر الأكبر الذي يمثله النفط الصخري، هو مساهمته الكبيرة خلال العقدين الأخيرين في تعقيد كارثة الاحتباس الحراري بضخه مزيدًا من الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، سواء في أثناء عمليات استخراجه ذاتها (والتي تستهلك طاقة أكبر من عمليات الحفر التقليدية) أو عبر احتراقه المباشر (تَسبب الوقود الأحفوري رفقة الإسمنت بثلثي الانبعاثات الحرارية في آخر 150 سنة).  

هذه الكارثة الوجودية المُحدقة بالأرض والجنس البشري، والتي تدفعها شركات الطاقة (الأحفورية) الأمريكية بقوة نحو ذروتها، عبر التمويل السياسي والحملات الدعائية، حتى الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، الذي سبق له أن وَعد في أثناء حملته الانتخابية باتخاذ إجراءات بيئية حازمة، وبالرغم من زعمه بأنه أحد “المؤمنين بالعلم”، وبأنه يجب تفعيل أجندة جادة لمواجهة الاحتباس الحراري، لكن الواقع يبدو خلاف ذلك، إذ صرّح بايدن في سبتمبر الماضي  بأنه “من غير المعقول القضاء على التصديع الهيدروليكي في الوقت الحالي”.

لا يدري أحد ما الوقت المناسب بالضبط الذي يقترحه بايدن؟ بينما يؤكد علماء المناخ في العالم على أن السنوات القادمة (15 سنة حسب تقديرات كثيرة) ستكون حاسمة في تحديد مصير الأرض وتلافي الأضرار التي يستحيل عكسها في المستقبل. لكن يبقى من السهل استيعاب موقف بايدن بمعرفة أن أندرو غولدمان، أحد مؤسسي شركة Western LNG العاملة في استخراج الغاز من ولاية تكساس (وأحد مستشاري بايدن في أثناء عمله في مجلس الشيوخ) كان مديرًا ماليًّا لقطاع الشمال الشرقي في حملة بايدن الرئاسية، وهو نفسه الذي استضاف واحدة من حفلتي تبرع كبيرتين لصالح الحملة العام الماضي في نيويورك، وبينما ترفض نانسي بيلوسي (من الحزب الديمقراطي)، والناطقة باسم مجلس النواب الأمريكي، التشريع المعروف بـ”الاتفاق الأخضر الجديد” الذي اقترحه بعض نواب الجناح اليساري من الحزب الديمقراطي (أبرزهم المنافس السابق على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز والنائبة ألكساندرا كورتيز) لهيكلة الاقتصاد والاعتماد على الطاقة النظيفة بنسبة 100% بحلول عام 2030، فإنه يصعب تمييز السياستين: الجمهورية (ممثلة في ترامب) والديمقراطية (ممثلة في بايدن – بيلوسي)، في حين يسهل بالطبع تمييز الكارثة البيئية التي تهدد وجودنا، والتي هي أقرب إلينا مما نتصور.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter