أنت تقرأ الآن:

مصير أبناء “دواعش” أوروبا.. هل تخشى القارة قنابل جديدة أم تزرعها؟

مصير أبناء “دواعش” أوروبا.. هل تخشى القارة قنابل جديدة أم تزرعها؟

في مارس 2019 طردت قوات سوريا الديمقراطية “تنظيم الدولة الإسلامية” من آخر الأراضي التي استولت عليها في سوريا والعراق. منذ ذلك الحين، احتجزت قوات سوريا الديمقراطية إلى أجل غير مسمى ما يقدّر بنحو 64 ألف امرأة وطفل في مخيمي “الهول” و”الروج” في شمال شرق سوريا دون تهمة، بسبب صلاتهم المزعومة بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

هؤلاء أبناء مواطني أوروبا، وخصوصاً فرنسا، ممن انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في أوج شهرتها، فإما قُتِلوا في سوريا أو العراق، أو سُجنوا حين حاولوا الهرب، أو اختفوا. 

ومن أجل إصلاح أزمة هي إنسانية وسياسية في الوقت ذاته، دعت منظمة العفو الدولية فرنسا وجميع الدول الأوروبية إلى إعادة أطفالها الذين انضم آباؤهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية بشكل عاجل، سواء كانوا أيتامًا أو أمهات، على اعتبار أنهم ضحايا حرب. ومحاكمة من يثبت تورطه من الأبوين في جرائم ضد الإنسانية وفقًا لقانون كل بلد.

من بين 45000 أجنبي محتجزين في المخيمات، هناك ما يقرب من ألف أوروبي، أكثر من نصفهم من الأطفال، ومعظمهم دون سن الخامسة. ولهذا وجّهت العديد من هيئات حقوق الإنسان الأوروبية والدولية نداءات متكررة إلى الدول الأوروبية، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية، لإعادة مواطنيها الأطفال من المخيمات. لكن يبدو أن هذه الدعوات واجهت في البدء رفضًا من بعض الدول الأوروبية.

قبل يوم من هذه الدعوة، أكد وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان” أن فرنسا ستواصل قدر الإمكان إعادة أطفال المقاتلين الفرنسيين من شمال شرق سوريا، مستبعدًا أي إجراء مماثل لصالح البالغين. وذكر أنه فيما يتعلق بالقُصَّر “ستتم دراسة كل حالة، فالمنطقة لا تزال في حالة حرب”.

سمحت باريس بالفعل ببدء عمليات إعادة نحو 200 طفل فرنسي يعيشون في مخيمات بشمال شرقي سوريا. لكن عاد 35 طفلًا فقط إلى فرنسا، معظمهم من الأيتام. وتكشف التقارير الدولية أن هؤلاء الأطفال يعيشون في ظروف بالغة السوء، ويفتقرون إلى الرعاية الطبية، ويعانون من سوء التغذية. يواجهون درجات حرارة قصوى تزيد عن 40 درجة في الصيف وتقل عن 10 درجات تحت الصفر في الشتاء.

وبشأن تعامل الجانب الفرنسي مع هذا الوضع، أكدت باريس أن الأولوية ستُعطى للأطفال الأيتام الذين ليس لديهم آباء في هذه المعسكرات، في المقابل أعادت السويد مؤخرًا 25 طفلًا مع أمهاتهم. 

يبدو أن أوروبا تخشى استرجاع قنابل موقوتة على أراضيها. في وقت يشهد فيه استقرار القارة ضربات حادة. وتتعامل الدول الأوروبية بشكل عام، وفرنسا بشكل خاص، مع عملية إعادة هؤلاء الأطفال بحذر شديد. إذ تحقق جنائيًّا وتنظر في نسبهم قبل السماح لهم بالعودة، فإذا ثبت تورط الأم في بعض الجرائم فإن بعض الدول الأوروبية تلجأ إلى اصطحاب الأطفال إلى منازل خاصة أو إيوائهم مع أسرهم. لكن إذا تبين أن الأمهات لم يرتكبن أي عمل إجرامي، يبقى الأبناء معهن وتزودهن الدولة ببرامج منع التطرف والدعم النفسي والاجتماعي.

لكن تؤثر بعض المواقف السياسية على قرار دول مثل فرنسا على إعادة أبناء مواطنيها الذين انضموا إلى داعش، في حين نجح عدد من الحكومات الأوروبية في جمع الأدلة وإجراء الفحوصات الفنية بفضل إرسال لجان تحقيق في مهمة إلى المكان. لكن ما نلاحظه هو أن بعض الأحزاب السياسية الفرنسية على سبيل المثال ترى أن عودة المقاتلين ستقوي اليمين المتطرف على حساب شعبيتهم في الانتخابات.

يُذكر أن فرنسا كانت قد رفضت إعادة 300 طفل من أبناء الجهاديين الفرنسيين الذين تُركوا في المخيمات الكردية بعد سقوط الرقة وتنظيم الدولة الإسلامية. وأعلنت استعدادها لقبول الأطفال الذين فقدوا والديهم فقط. بل وأبدت استعدادها لفصل الأشقاء عن الآباء المختلفين، وهو أمر يرفضه حتى الأكراد، في حين تدّعي فرنسا أن كردستان غير معترف بها كدولة وبالتالي فهي غير مدرجة في اتفاقيات تسليم المجرمين الدولية. 

وأعربت دول أوروبية مثل بلجيكا والدنمارك وفنلندا والسويد استعدادها لاستعادة أولئك الذين غادروا بلادهم، والذين سُجنوا بعد محاكمة. وتفيد أغلب التقارير أن المخيمات التي يعيش فيها أبناء مقاتلي داعش الأوروبيين مكتظة وتفتقر إلى الموارد، مع نقص حاد في المياه والغذاء والكهرباء ومرافق الصرف الصحي. وتوفي مئات الأطفال الآخرين بسبب أمراض يمكن الوقاية منها.

ويتعرض الأطفال إلى لعنف الجسدي والنفسي والجنسي في المخيمات ، فضلًا عن الاستغلال والاتجار والمضايقات وتلقين أيديولوجية داعش، وربما يعد هذا العامل الأخير أحد التخوفات التي تخشى أوروبا تحمّل أعباءها. 

أما بموجب القانون الوطني والأوروبي والدولي لحقوق الإنسان، فيحق للأطفال الحصول على حماية خاصة، وعلى الدول التزام قانوني بضمان أن تكون مصالح الطفل الفضلى الاعتبار الأساسي عند التعامل مع المواقف التي تؤثر عليهم. 

تبدو مقاومة الدول الأوروبية لإعادة هؤلاء الأطفال إلى أوطانهم غير منطقية في نظر المراقبين، إذ لا توجد عوائق قانونية تحول دون عودتهم، بل على العكس من ذلك، فإن الدول لديها بالفعل التزام قانوني بحماية هؤلاء الأطفال، وعمليات الإعادة التي حدثت بالفعل تثبت أنها مجدية من الناحية اللوجستية، لا سيما بالنظر إلى تعاون سلطات قوات سوريا الديمقراطية.

البعض يميل إلى سيطرة الحواجز السياسية إلى حد كبير على تعامل الدول الأوروبية مع أزمة إعادة أبناء مواطنيها الذين قاتلوا في صفوف داعش، في حين أن الدول الأوروبية غالبًا ما تختبئ وراء الحجج الأمنية، فقد أكد عدد من الجهات الفاعلة، بما في ذلك المتخصصون في الأمن القومي، أن ترك الأطفال والنساء في المخيمات لا يخدم المصالح الأمنية طويلة الأجل للدول، بل يخلق أزمة أكبر قد تضطر أوروبا لمواجهتها فيما بعد. وطالبوا بإعادتهم إلى أوطانهم، مما يتيح عملية عودة خاضعة للرقابة والمراقبة تستمر في إعادة التأهيل، وإعادة دمجهم في المجتمع أو محاكمتهم إذا اقتضت الحاجة.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter