أنت تقرأ الآن:

مشاهدات “ابن فضلان”.. رحلة مبعوث الخليفة العباسي إلى روسيا

مشاهدات “ابن فضلان”.. رحلة مبعوث الخليفة العباسي إلى روسيا

محمد شعبان

في سنة 309ه/921م، أرسل “ألمش بن يلطوار” ملك “الصقالبة” (شمال أوروبا اليوم على أطراف نهر “الفولغا”) إلى الخليفة العباسي “المقتدر بالله” أن يرسل له بعثة تُفقّهه في الدين، وتبني له مسجدًا، وتنصب له منبرًا يقيم عليه الدعاء للخليفة.

وسأل ملك “الصقالبة” الخليفة أيضًا أن يبني له حصنًا يتحصّن فيه من الملوك المخالفين له، وكان المقصود بهؤلاء ملوك “الخزر” من اليهود، والذين كانوا يعتدون على قومه، ويفرضون الضرائب عليهم، ويؤدونها عن كل بيت في شكل جلد من نوع “السمور”.

وبحسب الدكتورة “جوخة الحارثي”، في دراستها “ابن فضلان في بلاد العجائب: الآخر في رحلة ابن فضلان”، استجاب الخليفة “المقتدر بالله” وقرر أن يكون الوفد الرسمي من أربعة أشخاص، هم: “سوسن الرسي” مولى “نذير الخرمي”، و”تكين التركي”، و”بارس الصقلابي”، و”أحمد بن فضلان”، ومعهم دليل هو رسول الصقالبة نفسه، ويقال له “عبد الله بن باشتو الخزري”.

وكل من “سوسن” و”باريس” من أصل روسي، أما “تكين”، فهو تركي يجيد لغة الترك. ويبدو أن “أحمد بن فضلان” كان يجهل اللغات الأجنبية، لكنه رأس الوفد الذي ألحق به أشخاصًا آخرين كالفقيه والمعلم والغلمان، غير أن هؤلاء لم يرد بشأنهم ذكر في المصادر التاريخية. وكان “ابن فضلان” مدون الرحلة وذاكر تفاصيلها.

بداية الرحلة ومسارها

انطلق الوفد من بغداد يوم 11 صفر سنة 309ه/ 21 يونيو 921م، وظل يصعد شرقًا وشمالًا إلى “همذان” فـ”الري”، وعبر نهر “جيحون”، ثم وصل إلى “بخارى”، ومكث فيها 28 يومًا، ثم اجتاز “خوارزم” و”الجرجانية” التي كانت بوابة إلى عالم الترك، وهناك أجبر الثلج البعثة على البقاء طوال فترة الشتاء.

بعد ذلك أوغل “ابن فضلان” في بلاد الترك مجتازًا قبائل عدة، واصفًا عقائدها وعاداتها. وبعد أن عبر أنهارًا كثيرة وصل إلى نهر “الفولغا” عند ملك الصقالبة بعد 11 شهرًا من بداية الرحلة، وخلال مشواره قدّم وصفًا للشعوب التي رآها، وأورد ذلك في تقرير رفعه للخليفة “المقتدر”.

ملابس الروس وأجسادهم

ونال الروس نصيبٌ من وصف “ابن فضلان”، إذ تطرق لوصف أشكالهم وأحوالهم المعيشية ومعتقداتهم، وسجل ذلك في الرسالة المعنونة بـ”رسالة ابن فضلان في وصف الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة”، والتي حققها وعلّق عليها الدكتور “سامي الدهان”.

يذكر “ابن فضلان” في رسالته أنه لم يرَ أتمَّ أبدانًا من الروس، فهم كالنخل، في إشارة إلى طول أجسادهم، وهم شقر حُمر، لا يلبسون “القراطق” (قميص أو معطف قصير يصل إلى منتصف الجسم)، ولا “الخفاتين” (صدرية تحت الثياب مثل القفطان)، لكن الرجل منهم يرتدي كساءً يشتمل به على أحد شقيه، ويخرج إحدى يديه منه، ومع كل واحد منهم فأس وسيف وسكين يحملها دائمًا أينما ذهب. وأجسامهم طُبعت عليها صور لأشكال وأشجار من أخمص القدم حتى الرأس. 

وكل امرأة منهم على ثديها حُقة (وعاء) مشدودة، إما من حديد، وإما من فضة، وإما نحاس، وإما ذهب، وذلك على قدر مال زوجها ومقداره. وفي كل حُقة حلقة فيها سكين مشدودة على الثدي أيضًا. وفي أعناقهن أطواق من ذهب وفضة لأن الرجل إذا ملك عشرة آلاف درهم صاغ لامرأته طوقًا، وإن ملك عشرين ألفًا صاغ لها طوقين، وكذلك كل عشرة آلاف يزدادها يزداد طوقًا لامرأته. وربما كان في عنق الواحدة منهن الأطواق الكثيرة، وذلك بحسب وصف “ابن فضلان”.

وأجلّ الحليّ عندهم الخرز الأخضر من الخزف الذي يكون على السفن ويتاجرون فيه، ويشترون الخرزة بدرهم، وينظمونه عقودًا لنسائهم. 

الجارية تقتل نفسها

قيل لابن فضلان من أهل هذه البلاد إنهم يفعلون برؤسائهم عند الموت أمورًا أقلها الحرق. وكان الميت الفقير منهم يعملون له سفينة صغيرة ويجعلونه فيها ويحرقونها. أما الغني، فيجمعون ماله ويقسمونه ثلاثة أثلاث، حيث يخصصون ثلثًا لأهله، وثلثًا يخيطون له به ثيابًا، وثلثًا يصنعون به نبيذًا يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتُحرق مع مولاها.

وإذا مات الثري أو الرئيس فيهم قال أهله لجواريه وغلمانه: “من يموت معه؟”، فيقول بعضهم: “أنا”، فإذا قال ذلك وجب عليه، ولا يمكنه الرجوع في ذلك أبدًا، ولو أراد ذلك ما تُرك، وأكثر من يفعل هذا الجواري.

يذكر “ابن فضلان” أنه إذا مرض واحد من الروس ضربوا له خيمة بعيدًا عنهم، وطرحوه فيها، وجعلوا معه شيئًا من الخبز والماء، ولا يقربونه ولا يكلمونه، بل لا يمرون عليه في كل أيام مرضه، لا سيما إن كان فقيرًا أو مملوكًا، فإن تعافى رجع إليهم، وإن مات أحرقوه، فإن كان مملوكًا تركوه على حاله تأكله الكلاب وجوارح الطير.

وإذا أصابوا سارقًا أو لصًّا جاءوا به إلى شجرة غليظة وشدوا في عنقه حبلًا وثيقًا، وعلقوه فيها، ويبقى على حاله هذا حتى يتقطَّع بفعل الرياح والأمطار.

لا نظافة ولا اغتسال

وبتقزز شديد يرصد “ابن فضلان” عدم اهتمام الروس بالنظافة. فيصفهم بـ«أنهم أقذر خلق الله، لا يستنجون من غائط ولا بول، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من الطعام».

ويذهب مبعوث الخليفة إلى أبعد من ذلك بوصف الروس بـ«الحمير الضالة»، يجيئون من بلدهم، فيرسون بسفنهم على نهر “إتل”، وهو نهر كبير، ويبنون على ضفتيه بيوتًا كبيرة من الخشب، ثم يبدأون في بيع ما معهم من سلع وجوار. 

ويجتمع في البيت الواحد العشرة والعشرون والأقل والأكثر، ولكل واحد مقعد يجلس عليه ومعهم الجواري الجميلات، فينكح الواحد جاريته ورفيقه ينظر إليه، وربما اجتمعت الجماعة منهم على هذا الحال بعضهم بحذاء بعض، وربما يدخل تاجر عليهم ليشتري من بعضهم جارية، فينكحها، فلا يزول عنها حتى يقضي أربه، بحسب رواية “ابن فضلان”.

وبامتعاض شديد يذكر “ابن فضلان” أن هؤلاء التجار لا بد لهم في كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء، وذلك أن الجارية توافي كل يوم بالغداة، ومعها قصعة كبيرة فيها ماء، فتدفعها إلى مولاها، فيغسل فيها يديه ووجهه وشعر رأسه، ويسرّحه بالمشط في القصعة، ثم يمتخط ويبصق فيها، ولا يدع شيئًا من القذر إلا وفعله في ذلك الماء.

فإذا فرغ مما يحتاج التاجر إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي بجانبه، ففعل مثل فعل صاحبه، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتى تديرها على جميع من في البيت، وكل واحد منهم يغسل وجهه وشعره ويمتخط ويبصق فيها. 

طلب الشفاعة من تمثال خشبي

ولا يغيب عن “ابن فضلان” وصف عقائد الروس، فيذكر أنه حين توافي سفنهم إلى نهر “إتل” يخرج كل واحد منهم ومعه خبز ولحم وبصل ولبن ونبيذ، ويتجه إلى خشبة طويلة منصوبة لها وجه يشبه وجه الإنسان، وحولها صور صغار، وخلف تلك الصور خشب طويل منصوب في الأرض، فيتجه إلى الصورة الكبيرة ويسجد لها، ثم يقول لها: “يا رب قد جئت من بلد بعيد، ومعي من الجواري كذا وكذا رأسًا ومن السمّور كذا كذا جلدًا”، حتى يذكر جميع ما قدم معه من تجارته، ثم يقول: “وجئتك بهذه الهدية”، ثم يترك الذي معه بين يدي الخشبة، ويقول: “أريد أن ترزقني تاجرًا معه دنانير ودراهم كثيرة، فيشتري مني كل ما أريد ولا يخالفني في ما أقول”، ثم ينصرف.

فإن تعسّر على التاجر بيع ما معه من الجواري وطالت أيامه، عاد بهدية ثانية وثالثة، فإن تعذّر ما يريد حمل إلى كل صورة من تلك الصور الصغار هدية وسألها الشفاعة، وقال: “هؤلاء نساء ربّنا وبناته وبنوه”، فلا يزال يطلب إلى صورة صورة يسألها، ويستشفع بها ويتضرع بين يديها، فربما تسهل له البيع.

فإذا باع التاجر ما معه، يقول: “قد قضى ربي حاجتي، وأحتاج أن أكافيه”، فيعمد إلى عدة من الغنم أو البقر، فيقتلها ويتصدق ببعض اللحم، ويحمل البقية، فيطرحها بين يدي تلك الخشبة الكبيرة والصغار التي حولها، ويعلق رؤوس البقر أو الغنم على ذلك الخشب المنصوب في الأرض، فإذا كان الليل وافت الكلاب، فأكلت جميع ذلك، فيقول التاجر: “قد رضي ربي عني وأكل هديتي”.

400 رجل حول الملك

ولا بد لملك الروس من أن يكون معه في قصره أربعمئة رجل من صناديد أصحابه وأهل الثقة، فهم يموتون بموته ويُقتلون دونه. ومع كل واحد منهم جارية تخدمه وتغسل رأسه، وتصنع له ما يأكل ويشرب، وجارية أخرى يطؤها.

وهؤلاء الأربعمئة يجلسون تحت مقعده المرصع بالجواهر النفيسة، ويجلس معه على السرير أربعون جارية لفراشه، وربما وطئ الواحدة منهن بحضرة أصحابه الأربعمئة، كما ذكر “ابن فضلان” في رسالته. 

ولا ينزل الملك عن مقعده، فإذا أراد قضاء حاجة قضاها في طشت، وإذا أراد الركوب قدّموا دابته إلى السرير، فركبها منه، وإذا أراد النزول قدّم دابته حتى يكون نزوله عليه. وللملك خليفة يسيّر الجيوش ويحارب الأعداء ويخلفه في رعيته.

هكذا إذن كانت خلاصة مشاهدات أحمد بن فضلان في بلاد الروس، وهي واحدة من أقدم الرحلات العربية المعروفة إلى روسيا وشمال وشرق أوروبا. فقد زار كذلك البلاد الاسكندنافية وبلغاريا وغيرها، ما يجعل رسالته شديدة الأهمية حتى يومنا هذا. فلم يسبق لأحد أن زار تلك المناطق النائية وكتب عنها هذه الأوصاف المفصلة.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter