أنت تقرأ الآن:

حرب “تيك توك”.. كيف يدير بوتين حربه ضد أوكرانيا إعلاميًّا؟

حرب “تيك توك”.. كيف يدير بوتين حربه ضد أوكرانيا إعلاميًّا؟

مع اندلاع شرارة الحرب الروسية-الأوكرانية وجّه الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” نداءات إلى الجيل “زد” في بلاده، والمولودين في الفترة بين منتصف التسعينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية الثانية، والذين يشتهرون ببراعتهم في استخدام التكنولوجيا بتركيز جهودهم على إنهاء الحرب باستخدام تطبيق “تيك توك” لمساعدة الجيش الأوكراني على مخاطبة الشعب الروسي، والاستفادة من خوارزميات التطبيق التي تسمح بانتشار محتوى رائج بين قرابة مليار مستخدم، بغض النظر عن متابعة مستخدمي حسابات تنشر المحتوى من عدمها، حيث يعتمد التطبيق على جذب الانتباه، ثم تأتي مرحلة التدقيق في مدى صحة المعلومات الواردة في الفيديو. 

لم يقف جيل “زد” مكتوف الأيدي بانتظار نداءات الرئيس “زيلينسكي” للتحرك. فلقد قاد كثير من أبناء هذا الجيل معارك في الخطوط الأمامية من خلال مشاركة مقاطع فيديو تركز على حجم دمار المدن الأوكرانية، والذي سببته الصواريخ الروسية، وتشرد العائلات في ملاجئ دون نوافذ، متوجهين برسالة خاصة إلى المستخدمين الروس للصلاة من أجل السلام في أوكرانيا والتبرع للجيش الأوكراني، مستعينين بمقاطع أخرى تبعث الأمل وتعكس مظاهر الحياة الطبيعية.

أضحى “تيك توك” الذي كان يغلب على محتواه مقاطع لعرض الأزياء والرقص واللياقة البدنية سلاحًا لمحاربة ما يسمى بـ”تضليل وسائل الإعلام الروسية”، ليلعب دورًا أساسيًّا في الحرب الروسية-الأوكرانية.

طالبت الدائرة الاتحادية لرقابة الاتصالات (الوكالة التنفيذية الفيدرالية الروسية المسؤولة عن مراقبة وسائل الإعلام) إدارة تطبيق “تيك توك” بإيقاف المحتوى الذي يتحدث عن عنف الجيش الروسي، بحجة أنه يؤثر سلبًا في الأطفال، حيث يشكلون شريحة واسعة من مستخدمي التطبيق. 

وأكد المتحدث الرسمي باسم تطبيق “تيك توك” مراقبة الموقع الفيديوهات الرائجة من كثب بهدف حذف تلك التي تحتوي على معلومات كاذبة ومضللة أو التي تروج للعنف بمساعدة منظمات متخصصة في تدقيق الحقائق.     

لن نتساءل هنا عن مدى صحة ما ادّعته السلطات الروسية من انتشار المعلومات المضللة، فلم يخلُ تطبيق “تيك توك” من لقطات من ألعاب فيديو المحاكاة العسكرية، ومقاطع تصوّر إطلاق نار كثيف لطائرات، وصور لانفجارات على الأراضي الفلسطينية، وكأنها لقطات حقيقية من الحرب الروسية-الأوكرانية. بل بالأحرى يجب أن نتساءل: من ينشر المعلومات المضللة؟

حرب المعلومات

سيطر الأوكرانيون على الفيديوهات التي توثّق الحرب مع روسيا على تطبيقات التواصل الاجتماعي، فاستطاعوا كسب تعاطف الرأي العام العالمي إلى حد كبير. لقد قفز عدد مشاهدات مقاطع الفيديو التي تتعلق بأوكرانيا خلال الفترة من 20 إلى 28 فبراير من 6.4 مليارات إلى 17.1 مليار مشاهدة.

في خضمّ الكم الهائل من الفيديوهات المنتشرة المؤيدة لأوكرانيا، نجد اللافت للنظر أن بعضها يتخطى الواقع ويبالغ فيه. فقد انتشرت مقاطع فيديو لاحتفاء الحكومة الأوكرانية بأبطال “كييف” الذين قيل إنهم لقوا حتفهم على أيدي القوات الروسية في أثناء دفاعهم عن جزيرة صغيرة في “البحر الأسود”، لتصرح السلطات الأوكرانية لاحقًا بأنهم نجوا في الحقيقة. وانتشرت مقاطع فيديو لمن قيل إنه بطل أوكراني تم تسميته بـ”شبح كييف” نجح وحده في إسقاط العشرات من الطائرات الحربية الروسية، و”امرأة كييف” التي أسقطت طائرة بدون طيار بإناء من الخيار المخلل، والمزارع الأوكراني الذي استولى على معدات حربية روسية وينقلها على جراره، والجنود الأوكرانيون الذين يودعون أسرهم، وهو في الأصل مقطع يعود إلى جنود أمريكيين. كل هذه المقاطع إما يعاد تدويرها من أحداث سابقة، وإما لا يمكن التحقق من صحتها، ويبدو بعضها منافيًا للمنطق.

الكمية الهائلة من الفيديوهات التي يتعرض لها مستخدمو تطبيق تيك توك الممتلئة بالأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة التي تنتشر أسرع ست مرات من الأخبار الحقيقية تسبب استثارة للمشاعر تدوم لفترة طويلة وتدفع المستخدمين لتصفح مزيد من فيديوهات من النوع نفسه، فيستجيب المشاهِد عاطفيًّا مع القضية بقوة، فتكسب القضية مؤيدين أكثر.    

رغم نفي السلطات الأوكرانية تعمّدها نشر الأخبار الكاذبة، يمكن تَوقُّع المسؤول عن نشر أخبار تصب في مصلحة الأوكرانيين على منصات التواصل الاجتماعي، على الرغم من أننا للوهلة الأولى، ودون بذل مجهود في التفكير نوجه أصابعنا نحو روسيا باعتبارها المتهم الدائم بنشر المعلومات الكاذبة بناء على تجربتها السابقة في ترجيح الكفة لصالح الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، في أثناء انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016.   

لكن ترجيح كفة أن الأوكرانيين هم الذين ينشرون الأخبار الكاذبة لا يعني بالضرورة تبرئة الروس. فلقد انتشرت فيديوهات تشير إلى تفوق الجيش الروسي، مثل تدمير الناقلتين الأوكرانيتين اللتين اخترقتا الحدود الروسية، وقتل الجنود الذين تجرؤوا على عبور الحدود. كشف المحققون أن الفيديو مفبرك، فأوكرانيا لا تمتلك هذا النوع من الناقلات، وثبت أن الفيديو لم يصور داخل روسيا. ومقطع آخر منتشر يصور عبور شاحنات روسية على طريق ثلجي تحمل أسطوانات عملاقة مصحوبًا بصراخ لا ينقطع، وكأن الأسلحة النووية الروسية في طريقها لإطلاق صواريخ تستهدف أوكرانيا. تم حذف المقطع بعد أن حصد أكثر من 8 ملايين مشاهدة بسبب انتهاكه معايير الدقة والأمانة.

من الواضح أن بوتين لا يبالي بالرأي العام العالمي. إنه يفضل تركيز جهوده على مخاطبة شعبه بهدف إحكام السيطرة على الرأي العام المحلي لكسب تأييده، لكن المشاركة الروسية تأتي في إطار عدم رغبته في ترك ساحة للأوكرانيين، بحيث يمكنهم فيها الانتصار عليه.

الحرب بعيون بوتين

تتوجه وسائل الإعلام الروسي التابعة للحكومة، سواء التقليدية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى متابعيها في الداخل بالترويج عن الهدف الأسمى المتمثل في “مناهضة الإمبريالية”، والفخر بالتفوق النووي الذي ربما تستخدمه روسيا لتحقيق هدفها ضد الغرب “المتعطش لدماء الأوكرانيين من أصل روسي”.

وقّع بوتين قانونا يُجرِّم وصف الأزمة الروسية-الأوكرانية بالحرب، إنما يجب الإشارة إليها بمصطلح “عملية عسكرية خاصة” على جميع وسائل الإعلام التقليدية الرسمية والخاصة، وحتى منصات التواصل الاجتماعي. وفي الإطار نفسه أُطلق على العشرات من الصحفيين المستقلين ووكالات الأنباء الأجنبية مصطلح “العملاء الأجانب”.  

من السهل على روسيا أن تشن حربًا وحشية لإخضاع أوكرانيا باستخدام المعدات العسكرية المتطورة، لكنها ستتحول إلى كارثة دعائية لن يُمحى أثرها. فمن المتوقع حينها مقتل أعداد كبيرة من المدنيين في أثناء المعركة. وفي المقابل لن يكون من السهل منع أبناء جيل “زد”، مدمن التكنولوجيا، من استخدام منصات التواصل بشكل كامل على الرغم من حجب بعضها داخل روسيا مثل فيسبوك، وبالتالي كان على بوتين أن يكتب بنفسه قاموس المصطلحات الإعلامية للسيطرة على أرض معركة المعلومات التي تبدو كأنها تهتز من تحت قدميه.    

ربما يستفيد بوتين من صورة روسيا “المنهزمة” في معركة المعلومات الدائرة على تطبيق تيك توك، وكأنه يريد أن يثبت براءته من تهمة نشر المعلومات المضللة التي التصقت بحكومته لتدخّلها في شؤون الغرب مثل انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016، واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من العام نفسه. أو ربما يريد أن يثبت نظريته في مظلومية روسيا التي تهب للدفاع عما أطلقت عليه وسائل الإعلام الروسية مصطلح “محاربة الفاشية” وسط الغرب المتكالب على “تدمير” قيمه الأصيلة، فتبدو معركة حق وعدل.      

لا يمكن إثبات أو نفي تورط روسيا في نشر فيديوهات تصب في صالح أوكرانيا على تطبيق تيك توك. ربما كُتِب السيناريو على أساس كسب أوكرانيا مزيدًا من التعاطف غير الدقيق، وسيكون هذا التعاطف مبنيًّا على أساس كاذب، وبعدها يُستخدَم كأداة في صالح روسيا التي ستنفي بالدلائل ما تم نشره، مصحوبًا ببعض الأخبار الملفقة التي صممت خصيصًا لتبدو كأنها حقيقية، فتسحق خصمها في نهاية المعركة.   

الحرب الروسية-الأوكرانية ليست المعركة الأولى التي تُستَخدم فيها منصات التواصل الاجتماعي سلاحًا، لكن الجديد في تطبيق تيك توك أنه يعتمد على خوارزميات تساعد على سرعة تدفق المحتوى في أيدي جيل برع في كيفية استخدامه لتحقيق أهدافه بلغة مشتركة مع أقرانه من صفوف الخصم، فيخلق مساحة من التقارب تفتقر إليها التقارير الصحفية التي تنتجها المؤسسات الإخبارية التقليدية في كثير من الأحيان، إضافةً إلى استخدام المؤثرات البصرية والصوتية باعتبارها أكوادًا يفهمها أبناء جيل “زد” الذين تحولوا من مشاركة محتوى بصري لحيوانات لطيفة إلى لقطات من حرب حقيقية.  

في المقابل يعجز التطبيق عن تتبع ملايين الفيديوهات المنشورة، حتى لو استثمر ملايين من الدولارات من أجل تعديل نظام الخوارزميات ليصل إلى توازن بين انتشار المحتوى وسرعة تدقيقه في الوقت نفسه. لن يستطيع تحقيق ذلك في إطار التكنولوجيا المتاحة حاليًّا، وسيجد بعض صناع المحتوى طرقًا لتمرير الأخبار الكاذبة إلى المشاهِد. 

في ضوء القانون الجديد الذي أصدرته الحكومة الروسية بحبس أي شخص من المشتبه تورطه في نشر “أخبار كاذبة” عن الجيش الروسي، لم يكن أمام إدارة تطبيق تيك توك سوى منع مستخدميها داخل روسيا من مشاركة فيديوهات جديدة، ووقف البث المباشر، وحجب عرض الفيديوهات المنتَجة خارج البلاد، مع إمكانية مشاهدة الفيديوهات القديمة فقط، خوفًا على أمن موظفيه في مكاتب موسكو من تنفيذ بنود القانون ضدهم. فالقانون لا يوضح إذا كان سيتم تطبيقه على الذين نشروا الأخبار الكاذبة، أم سيطال كذلك موظفي منصات التواصل الاجتماعي التي نشرت هذه المعلومات.

وحجبت إدارة تطبيق تيك توك الحسابات التابعة لوكالة الأنباء “روسيا اليوم”، وهي الشبكة التلفزيونية الروسية التي تديرها الدولة، ووكالة الأنباء “سبوتنيك” التي تمتلكها الحكومة الروسية داخل دول الاتحاد الأوروبي تماشيًا مع قرار رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” بشأن حظر وسائل الإعلام المدعومة من نظام بوتين.

رغم أن النسبة الأكبر من المحتوى الأكثر انتشارًا على تطبيق تيك توك ينشر معلومات مضللة تؤيد أوكرانيا وتحارب روسيا، فمن الواضح حتى اللحظة الحالية أن إدارة التطبيق لا تريد أن تتورط كطرف في المعركة، مفضّلةً استكمال مسيرة التطبيق بشكل محايد يؤدي مهمته التي قررها في إرضاء الطرفين، وربما منتظرًا المنتصر في نهاية المعركة المعلوماتية، ومستفيدًا من شعبيته التي ازدادت خلال الحرب.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter