أنت تقرأ الآن:

تاريخ موجز للذهب.. كيف صار بهذه القيمة عبر آلاف السنين؟

تاريخ موجز للذهب.. كيف صار بهذه القيمة عبر آلاف السنين؟

نعرف عن السير إسحاق نيوتن الكثير، نعرف أنه لا السيارات كانت لتسير ولا المحركات كانت لتدور ولا الطائرات كانت لتطير ولا غالبية الاختراعات التكنولوجية الحديثة كانت لترى النور، لولا اكتشافاته الرياضية الفيزيائية المذهلة التي أعادت تعريف شكل العالم بالنسبة إلى البشر.

لكن ما لا يشيع الحديث عنه بما يكفي هو دور “نيوتن” الاقتصادي، فقد كان أول من ربط قيمة الذهب بالعملة بشكل رسمي.

كان تجاوز الخمسين من عمره، وتجاوز لتوّه أزمة عقلية صحية بصعوبة شديدة، وذلك عندما عُرض عليه منصب من المفترض أن يكون بلا أهمية، في دار سك العملة الملكية البريطانية. شخص آخر كان سيعتبره منصبًًا تقاعديًّا مريحًا يختتم به حياة حافلة، لكن الرجل ذا العقل الذي لا يهدأ، استغل منصبه في دراسة النظام المالي البريطاني المضطرب، مثل كل الأنظمة المالية في العالم حينها. وفي عام 1717 اتخذ السير إسحاق نيوتن قرارًا بمعادلة قيمة 21 شلنًا من العملات الفضية المتداولة حينها، بجنيه ذهبي يزن 7.6885 غرامات. واعتمدت بريطانيا الأساس الذهبي لعملتها.

ستحذو ألمانيا حذو بريطانيا في ربط عملتها بالذهب عام 1871، ثم بلجيكا وإيطاليا وسويسرا وفرنسا عام 1873، ثم الدنمارك والنرويج والسويد وهولندا في 1875، وكثير من الدول الأوروبية والعالمية.

لحم الآلهة

قرار “نيوتن” قد يبدو أنه ذو أسس اقتصادية رياضية علمية نابعة من خلفيته العبقرية، لكنه في الواقع قرار ليس علميًّا بالكامل، فالعالم الفذ كان مفتونًا طوال حياته بالمعدن الأصفر اللامع، وقضى سنوات طويلة في دراسة الخيمياء، ذلك المجال المبهم الذي اجتذب العلماء والسحرة والكهنة على مدى آلاف السنين، وحاول أن يصل إلى اكتشاف حجر الفلاسفة الأسطوري، والذي يحول المعادن الرخيصة إلى ذهب بلا نتيجة تُذكر بالطبع. في الواقع، من المرجح أن أزمته الصحية النفسية التي ذكرناها كانت نتيجة تسمم زئبقي أصابه خلال تجاربه الخيميائية بحثًا عن حجر الفلاسفة.

افتتان البشر بالذهب قديم قدم الحضارة ذاتها. لمعانه ولونه الأصفر جعلا المصريين القدماء يعتبرونه رمزًا لـ”رع”، إله الشمس، وأهم الآلهة المعبودة في الحضارة المصرية القديمة. وتقول الأساطير المصرية إن لحم الآلهة كان من الذهب، ولذا كانوا يستخدمونه لصناعة كل شيء يمثل الأبدية والقداسة، ويرجع ذلك إلى حوالي 3000 ق.م.

لكن رغم تقديس المصريين القدامى للذهب، فإنهم لم يستخدموه كنقود، بل كانت المقايضة وسيلة التعامل الاقتصادي الرئيسة وقتها.

حضارات عدة حذت حذو المصريين في تثمين الذهب وتقديسه، لكن أول استخدام معروف له كنقود يعود إلى مملكة “ليديا” حوالي 600 ق.م، والتي كانت تقع حيث توجد تركيا اليوم. أمر “ألياتيس” ملك “ليديا” حينها بسك أول عملة من سبيكة “الإلكتروم”، وهي سبيكة طبيعية من الذهب والفضة، وكانت تُختم بختم الملك لتصبح عملة رسمية معترفًا بها. بعد وقت غير بعيد سك “داريوس الأول”، الملك الفارسي العظيم، عملة ذهبية ختمها بختم يحمل صورته، تزن 8.4 غرامات من الذهب شبه الخالص، وأعلن أنها تساوي 20 عملة فضية. ومثل البنوك المركزية الحالية، اعتبر “داريوس” سك العملات شأنًا خاصًّا بالملك، فحرّم على ولاة المدن سك عملاتهم الخاصة، وكانت عقوبة المخالف الإعدام.

وبسبب حركات التجارة والحروب والغزوات لم يمضِ وقت طويل قبل أن تنتهج حضارات العالم الكبرى النهج ذاته في اتخاذ عملات رسمية من الذهب والفضة.

لماذا الذهب؟

لماذا الذهب بالذات من بين عناصر الكون؟

المصريون القدامى مثلًا كان لديهم تفسير أسطوري يتعلق بآلهتهم، لكن هذا التفسير لا ينطبق على بقية شعوب العالم الذين قرروا أن للذهب قيمة هائلة لا نزال نؤمن بها حتى الآن!

في الواقع ليس للذهب قيمة في حد ذاته، مثلما ليس لأي شيء مادي قيمة. القيمة تنشأ من اعتقاد واتفاق جماعي على وجود قيمة في هذا الشيء، ولو اتفقنا جميعًا لسبب ما أن الهاتف أو الحاسب الذي تقرأ عليه هذه الكلمات الآن هو أكثر الأشياء قيمة في الكون، ستهرع لحفظه في أمان وستراه أثمن كنوز الأرض. ولو اتفقنا أيضًا على أنه ليس للذهب قيمة سنجده ملقى على قارعات الطريق، ولن يهتم أحد بالتقاطه.

غير أن البشر كانوا بحاجة إلى شيء ما يعتبرونه مخزنًا للقيمة، وسيلة مادية للتبادل في ما بينهم متفق عليها تكون أسهل من المقايضة.

استخدم البشر الأحجار العادية والكريمة وصدف البحر وشظايا المعادن وجلود الحيوانات والثمار والمحاصيل والماشية والمشروبات الكحولية (والسجائر حتى الآن في بعض الظروف)، وكل ما وجدوه في الطبيعة، وسيطًا للتبادل التجاري في ما بينهم.

مع الوقت تعلم الناس أن هناك خصائص بعينها هم بحاجة إلى أن تكون في العملات، مثل: أن تكون نادرة، فلا يتمكن الجميع من صنع العملات منها بوفرة، فتصبح بلا قيمة، مثل الأحجار الشائعة وأوراق الأشجار، وألا تكون شديدة الندرة، فيصبح من المستحيل إيجاد وصنع ما يكفي منها ليستخدمها الناس، وبالتالي أن تكون قابلة للتعدين والصناعة بحسب قدرات الناس الصناعية المحدودة في أزمنتهم، هكذا لم يكن من الممكن استخدام المعادن النادرة، أو تلك التي تحتاج إلى معاملات صناعية متطورة مثل الألومنيوم.

كذلك يجب أن تكون العملة من مادة خاملة، لا تذوب في الظروف العادية ولا تتآكل ولا يتغير لونها ولا تتفاعل بسهولة مع المواد المحيطة، بهذا صارت المعادن مثل الحديد والبرونز والرصاص والنحاس وغيرها غير صالحة للاستخدام. أنت لا تود أن تستيقظ بعد بضعة سنوات لتجد حصيلة مجهود عمرك وقد صدئ أو تآكل أو ذاب أو أكلته الفئران.

من هنا صار الذهب والفضة أفضل خيارين لأنهما أكثر العناصر ملاءمة لتلك الاحتياجات، إضافةً إلى لمعانهما الفريد الذي جعلهما الخيار المفضل على الدوام للتزيّن، وجعل لهما أفضلية سيكولوجية في العيون. وربما كان لون الذهب الأصفر اللامع المختلف عن بقية العناصر إلا النحاس (الذي يتآكل ويتفاعل مع غيره من العناصر بسهولة عكس الذهب)، ما جعل البشر في مختلف العصور والأماكن عبر التاريخ يتفقون على أن قيمته أكبر من الفضة بكثير.

لغة الحضارة والدم

بمرور الزمن أصبح الذهب لغة عالمية تتجاوز الألسنة بين شعوب العالم القديم. قد لا يتمكن الأوروبي من الحديث مع الصيني، لكن يفهم كلاهما لمعة ذلك المعدن الأصفر البراق، ويتاجران في مختلف السلع بأريحية ما دامت المادة المصنوع منها العملة المتبادلة ذهبية.

لكنه أصبح كذلك سبب غالبية الحروب والغزوات وسفك الدماء.

بعد معيار الذهب الذي بدأ في بريطانيا ورسّخ قيمة العملة الإنجليزية، ومن ثم الاقتصاد الأوروبي كله، تضاعف الهوس الأوروبي بالذهب، والرغبة في البحث عنه تحت كل ركن.

كانت إسبانيا قامت بدورها قبل قرنين، بعد غزوها دولة “البيرو” وقضائها على حضارة “الإنكا” هناك، وسرقتها كمية من الذهب ضاعفت المتداول منه في العالم وقتها. وتلعب البرتغال دور إسبانيا في البرازيل بعد اكتشاف كميات هائلة من الذهب، فسلبت أطنانًا منه أدخلت أوروبا في انتعاش اقتصادي عظيم، وساهم في تحويل بلادها إلى قوى العالم العظمى (لا سيما مع قيام الثورة الصناعية التي لم تكن لتحدث لولا التمويل الذهبي من مناجم أمريكا الجنوبية).

مثلما تميزت القرون “17 و18 و19” بالنهضة الاقتصادية العالمية والتطور التكنولوجي الهائل، تميزت أيضًا بالسعي الأوروبي المهووس بحثًا عن الذهب في الأمريكتين وإفريقيا، والمذابح الجماعية والاستعباد تجاه السكان الأصليين الذين لا يدركون حقيقة الكنوز الكامنة تحت أقدامهم إلا بعدما يسلبها منهم الرجل الأبيض “المتحضّر”.

حان وقت الأوراق

حتى تلك اللحظة كل ما استخدمه البشر كنقود يمكن أن نعتبره بضاعة في ذاته، حتى الذهب، أشياء يمكن استخدامها في أشياء أخرى غير التبادل التجاري، وتحمل قيمة في ذاتها (قيمة متفق عليها وليست حقيقية كما ذكرنا من قبل).

غير أن هناك مشكلات في هذا النوع من العملات، حتى الذهب.

لو كنت مزارعًا عاديًّا تبيع ثمارك مقابل عملتين ذهبيتين، فلا مشكلة، لكن لو أنت تاجر ثري تبيع وتشتري الأراضي والمباني والمحاصيل، فأنت تحتاج إلى ملايين العملات، أي أطنان من الذهب. تخيل المكان الذي تحتاج إليه للتخزين والعناء الذي ستتجشمه للنقل والجيوش التي ستحتاج إليها للحماية!

هناك احتياج إلى حل آخر، حل أسهل وأخف وأسرع.

الحل كان في الورق.

وقصة الورق قديمة نوعًا.

في القرن التاسع الميلادي كانت الأسرة الحاكمة في الصين تشتري من التجار البضاعة، لكن لأن العملات المعدنية كانت ثقيلة مثلما ذكرنا، وثقُل على التجار نقلها، كانت الحكومة تكتب عقودًا رسمية تعِد فيها بدفع هذا القدر من المال في أي وقت، ويمضي التاجر بالعقد ليعود لاحقًا وقتما يريد لتحصيل نقوده.

ولأن الحكومة كانت قوية ومحل ثقة، انتشرت هذه العقود، ولم يشعر التجار بالحاجة إلى العودة لاسترداد أموالهم، وبالتدريج بدأوا يتبادلون أوراق وعود الدفع تلك في ما بينهم في عمليات التجارة الشخصية، هكذا تحولت وعود الدفع الورقية إلى نوع من النقود الوسيطة.

وصلت الفكرة إلى أوروبا عبر كتابات الرحالة “ماركو بولو”، وتطورت قليلًا على يد التجار الإيطاليين في عصر النهضة، في فلورنسا وميلان والبندقية. إيطاليا وقتها كانت تشهد ازدهارًا ماليًّا حضاريًّا فنيًّا غير مسبوق، وتشهد حالة حرب مستمرة أيضًا، فكان من غير الآمن أن يمضي التجار حاملين أموالهم الذهبية والفضية بين المدن. فشهدت إيطاليا ظهور أول أشكال البنوك المعاصرة، حيث يبيع التجار ويشترون، ولا يدفعون الأموال إلا في فروع البنوك المحلية في مدنهم، وفروع البنك في المدن الأخرى تتولى الدفع عنهم، وصكوك وعود الدفع هذه يتبادلها التجار في ما بينهم.

هكذا، بعدما استقر الاقتصاد الإنجليزي بتثبيت معيار الذهب، وانتعشت أوروبا بالذهب القادم من مناجم أمريكا الجنوبية وإفريقيا، صار هناك ذهب أكثر مما يمكن حمله هنا وهناك، وأصدرت البنوك الإنجليزية في القرن الثامن عشر أول أشكال أوراق البنوك: بنكنوت Banknote التي تعِد كل منها بدفع قيمة محددة من العملات الذهبية لحامل هذه الورقة.

وهذه كانت بداية العملات الورقية، مجرد وسيط يعِد حامله بأن يستبدل به القيمة الذهبية للورقة من البنك. ولأن بريطانيا كانت القوة المالية والعسكرية الأكبر في العالم، كان من الطبيعي أن تحذو دول العالم حذوها، ومنذ هذا الوقت صارت أموال العالم مربوطة بكمية الذهب المخزّنة في البنوك، وبوسع أي حامل للعملة أن يذهب إلى البنك مطالبًا بذهبه.

لكن جاء القرن العشرين، وجاء الكساد الكبير، وكل شيء على وشك أن يتغير.

“بريتون وودز” والهيمنة الأمريكية

لم تربط الولايات المتحدة الأمريكية الدولار بالذهب رسميًّا قبل عام 1900. وفي الواقع، لم يكن ذلك الربط مفيدًا للاقتصاد الأمريكي، فالعالم كان ينمو ويتبدل بشكل سريع حينها، أحيانًا يتم اكتشاف مصادر ذهب أمريكية جديدة أكثر من حاجة الاقتصاد، فيحدث التضخم، وأحيانًا ينمو الاقتصاد أكثر من الذهب المتوفر، فيحدث التعثر. والحال ليس كذلك في أمريكا فقط، فلقد اهتزت ثقة بلاد كثيرة في معيار الذهب مع الحرب العالمية الأولى، وذلك بعدما عجزوا عن توفير الذهب لمواطنيهم بسبب الدمار الاقتصادي الذي سببته الحرب.

اندلعت الحرب العالمية الثانية التي قلبت موازين العالم بشكل غير مسبوق في التاريخ، ومن بين ما حطمته أساس البنية الاقتصادية العالمية، والتي كانت هشة بالفعل. بات من الواضح للجميع أن العالم بحاجة إلى أسس اقتصادية جديدة يقوم عليها بعد الحرب، وبينما كان الجنود على الجبهات يمزقون بعضهم بالرصاص، كان بعض الساسة وعلماء الاقتصاد يضعون السيناريوهات ويخططون لعالم مستقبلي جديد.

ولما بات من الواضح أن الحلفاء سينتصرون اجتمعت دول العالم الغربي في مؤتمر كبير في فندق بمدينة “بريتون وودز” بولاية “نيو هامبشاير” الأمريكية، يوم 1 يوليو 1944، حضره 730 مبعوثًا من 44 دولة حليفة للولايات المتحدة الأمريكية.

المباحثات التي تمت لأعوام قبل المؤتمر، والمباحثات الجارية خلال المؤتمر، أثمرت الاتفاق على إنشاء صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي للإنشاء والتعمير، والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية (الجات)، واعتماد الدولار الأمريكي عملة الاحتياط الدولي.

مقابل ذلك تعهدت الولايات المتحدة بتوفير الذهب مقابل الدولار الأمريكي لكل من يطلبه من جميع أنحاء العالم، وذلك بتثبيت سعر 35 دولارًا = 1 أونصة (31.1034768 غرامًا) من الذهب. أي تحويل معيار الذهب من معيار يختلف من عملة إلى أخرى، إلى معيار دولي عالمي، فيه الدولار الأمريكي هو العملة الوسيطة بين عملات العالم والذهب.

الخزانة الأمريكية كانت ممتلئة بالفعل بالذهب. فقد أجبر الرئيس “روزفلت” مواطنيه على تسليم كل الذهب الذي يملكونه إلى الحكومة مقابل الدولارات الورقية ليرسخ ثقة الأمريكيين في الذهب، إضافةً إلى أنه جرّد بريطانيا من غالبية ما تملك من ذهب تقريبًا خلال الحرب العالمية الثانية ليبيع لها الأسلحة، ما ضمن لأمريكا خزانة ذهبية تجعلها تفرض معيارها الذهبي الخاص أمام دول العالم.

هكذا استخدمت أمريكا الذهب لفرض هيمنتها الاقتصادية على العالم كله، وأعلنت نفسها قوة عظمى جديدة.

نهاية معيار الذهب

غير أن أمريكا نفسها لم تحب استمرار ذلك. فالاقتصاد العالمي ينمو وينمو وينمو بشكل يفوق أي مخزون ذهبي، ووجدت نفسها مضطرة لتوفير الذهب باستمرار لدول ينمو اقتصادها بشكل مطرد، مثل ألمانيا وفرنسا واليابان، وتورطت هي نفسها في مستنقع مرعب اسمه الحرب الفيتنامية، وصارت تنزف شلالًا من الذهب كل يوم يعرّض عملتها وهيمنتها واستقرارها للخطر.

فكان في عام 1971 أن اتخذ ريتشارد نيكسون، الرئيس الأمريكي الأقل شعبية، قرار إلغاء الالتزام الأمريكي بمؤتمر “بريتون وودز”، وأعلن تحرر ارتباط الدولار بمعيار الذهب، ضمن سلسلة من القرارات الاقتصادية سيسجلها التاريخ بلقب “صدمة نيكسون”.

بهذا تحول الدولار، والعملات المرتبطة به، أي غالبية عملات العالم تقريبًا، إلى سلع ترتبط بالعرض والطلب، تعلو قيمتها بالإقبال عليها وتنخفض بالعزوف عنها، بلا احتياطي ذهبي.

وهكذا، وللمرة الأولى منذ وضع “نيوتن” معيار الذهب عام 1717، لم يعد اقتصاد العالم معتمدًا على الذهب.

لكن، هل يعني هذا أن الذهب فقد قيمته؟

الذهب الآن

مثلما أشرنا من قبل، القيمة ليست شيئًا كامنًا في الأشياء، بل تنشأ من اعتقاد متفق عليه بين جماعة من البشر. ربما يكون في الطعام مثلًا قيمة كامنة لأنه يؤكل، بالتالي لا حياة من دونه، وكذلك في المياه، وكذلك في البترول الذي تدور به المحركات وتُشعَل به الأفران، لكن الذهب والعملات لا قيمة لها دون اتفاق جماعي يخلق وجودًا لهذه القيمة (المتخيلة).

قيمة الذهب إذن ناتجة عن اعتقاد عام متجاوز للغات والتقاليد والعصور والأفكار، وعمره آلاف السنين. آمن البشر عبر التاريخ بأن للذهب قيمة معنوية يمكن قياسها بالأرقام (وإن اختلفت هذه الأرقام من عصر إلى عصر).

الدولار أيضًا يعتمد على نفس الفكرة، اعتقاد واتفاق عالمي على أنه عملة جديرة بالثقة ويمكن الاعتماد عليها. هذا الاعتقاد كان في البداية (وقت بريتون وودز) مصدره أنه مربوط بالذهب، لكن بعد تخليه عن المعيار الذهبي بات هذا الاعتقاد يرتكن فقط إلى إيمان العالم بقوة أمريكا واستقرار اقتصادها واعتماديته.

هكذا لم يفقد الذهب قيمته ما دام الناس لم يتخلوا عن الاعتقاد فيه، والدولار كذلك، لكن عمر إيمان الناس بقيمة الدولار لم يتجاوز نصف القرن بعد، مقارنةً بآلاف السنين من الاعتقاد بقيمة الذهب. وقوة الدولار مربوطة الآن بقوة أمريكا، وأي وهن قد يصيب القوة العظمى الأضخم في العالم الآن سينعكس مباشرة على قيمة تلك الورقة الخضراء، فلو كانت تشتري اليوم عشر تفاحات مثلًا، فقد تشتري غدًا عشرين لو صارت أمريكا أقوى، وقد لا تكفي لشراء تفاحة واحدة لو انهارت تلك الدولة لأي سبب.

يعي قادة العالم، وعلى رأسهم أمريكا نفسها، أن هيمنة الدولار وقتية ولن تدوم لعصور طويلة، ربما نشهد نهايتها في عامنا هذا أو يشهدها أحفادنا بعد مئتي عام. في الحالتين سينهار كل ما يعتمد على الدولار فقط من اقتصادات وعملات وأنظمة سياسية وبنكية. لذا لا تزال دول العالم الكبرى تراكم أطنان الذهب في خزائنها تحسبًا لأزمة مشابهة.

أمريكا هي الدولة الأكثر تخزينًا للذهب في العالم. يبلغ احتياطيها الذهبي 8133 طنًّا من الذهب، تليها ألمانيا بـ3359 طنًّا، وروسيا في المركز الخامس باحتياطي يبلغ 2302 طن، والصين في السادس باحتياطي يبلغ 1984 طنًّا.

يعيب تخزين الذهب الآن، سواء على مستوى الدول أو الأفراد، أنها قيمة راكدة، لا تُستثمر ولا تنمو، عكس الأموال السائلة التي تديرها البنوك والصناديق وتنميها عبر المشروعات، لكن ميزتها الرئيسة أنها لن تخسر قيمتها أبدًا مهما تداعت العملات (إلا لو اتفق الناس فجأة على تجاهل الذهب، وهو ما لن يحدث ما دام هناك بشر وحضارة وشكل من أشكال الاقتصاد والتبادل التجاري).

قد تشهد أسعار الذهب ارتفاعًا وهبوطًا، لكن المراقب لأسعار الذهب يدرك أن سعر الذهب كان دومًا المؤشر على صحة الوضع الاقتصادي للعالم. فعندما يهبط سعره لا يعني ذلك أن قيمته قلت، بل إن الوضع الاقتصادي للسوق والعملة قد تحسن، وعندما يتردى الاقتصاد أو العملة يعلو سعر الذهب على الدوام، بالتالي يعمل الذهب كمخزن للقيمة… المخزن الأكثر أمانًا واعتمادية في العالم، وذلك بحسب رأي كثير من المستثمرين والاقتصاديين.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter