أنت تقرأ الآن:

الهواتف الغبية .. هل يرجع البشر إلى تواصل اجتماعي أقل إزعاجًا؟

الهواتف الغبية .. هل يرجع البشر إلى تواصل اجتماعي أقل إزعاجًا؟

هل حان الوقت أخيرًا لتعود البشرية إلى رشدها بشأن مقدار الوقت الذي تريد أن تخصصه للهواتف الذكية؟ يبدو أن الأبحاث الحديثة تقول “نعم”، وقد يكون لهذا تأثير كبير في صناعة التسويق في عالم الهواتف الذكية.

الهواتف القديمة، أو كما يُطلق عليها “الهواتف الذكية”، تجذب المشترين اليوم، وتزدهر مبيعاتها في وقت تقدم فيه الشركات هواتف أكثر ذكاءً كل موسم، وبإمكانات تقيد المرء بهاتفه كل عام أكثر من العام السابق.

وفقًا لعدة أبحاث يقضي الشخص العادي حوالي 52925 دقيقة في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي كل عام (أو 36 يومًا و18 ساعة و5 دقائق). وتكشف استطلاعات أخرى أيضًا أن المستهلكين في الفترة الأخيرة يسعون لتقليل مقدار الوقت الذي يقضونه على الهواتف الذكية. ويتضح من زيادة بنسبة 18% في عمليات البحث بالولايات المتحدة عن الهواتف الغبية (مثل الهواتف القابلة للطي، والتي ليس لديها إمكانية الوصول إلى الإنترنت، أو الوصول المحدود إلى رسائل البريد الإلكتروني فقط). 

ويشير الخبراء إلى أن الهواتف الغبية حاليًّا تعد خيارًا جذابًا للآباء الذين يريدون أن يكون لأطفالهم هاتف، ولكن في الوقت نفسه يحد من وقت الشاشة واستخدام الوسائط الاجتماعية. ويختار عدد من جيل الألفية أيضًا هاتفًا غبيًّا للحد من الوقت الذي يقضونه على الشاشة واستخدام بدائل اجتماعية، وكذلك لتمكين الخصوصية وليصبحوا أكثر نشاطًا في حياتهم. 

وفي استطلاعات حديثة تبين أن 32% من الأشخاص دون سن 35 عامًا يرغبون في استخدام قدر أقل من وسائل التواصل الاجتماعي. الأمر الذي نجحت في ترسيخه حملات كثيرة عبر الإنترنت والسينما وغيرهما تدعو المستخدمين إلى اليقظة والتحرر من قيود العالم الافتراضي.

تقدم هذه النتائج تحذيرًا للشركات الرقمية التي تستخدم الهواتف الذكية وتقنيات إنترنت الأشياء: أن المستهلكين ربما وصلوا إلى نقطة تحول تدفع إلى تراجع التقنيات السابقة التي يشعرون بأنها أقل تدخلًا أو تأثيرًا في حياتهم.

لا تعترف جميع دور علم النفس العالمية بأن استخدام الهاتف يعد إدمانًا، لكن عددًا من المهنيين الطبيين يعرفون ذلك. ويخشى هؤلاء الممارسون أن الاستخدام المفرط للهاتف يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات النوم والقلق وانخفاض الإدراك وعدم القدرة على التركيز. 

يتفق باحثو جامعة شيكاغو على ذلك. 

“هجرة الأدمغة”.. هكذا يطلقون على الآثار الجانبية المحتملة لدمج الهواتف الذكية بالحياة اليومية، والتي يسببها الهاتف الذكي. ويقدمون في هذا الصدد عددًا من الدلائل على أن وجود الهواتف الذكية المستمر في أيدي المستخدمين يؤثر سلبًا في مقياسين للقدرة المعرفية (سعة الذاكرة النشطة والذكاء الوظيفي).

ربما تكون الرسالة الموجهة إلى الشركات التي تستغل التكنولوجيا الرقمية والهواتف الذكية للتواصل مع المستهلكين هي الإجابة عن عدد من الأسئلة، والتي تتعلق بالأساليب الدعائية والأبعاد التجارية التي تتخطاها من أجل تحقيق أرباح هائلة، ومنها  إجبار المستهلك على الانتقال إلى عروض ومحتويات إعلانية قبل السماح لهم بالرحيل من الصفحة، وذلك إذا زار مستخدم موقع “ويب”، أو طرح سؤالًا، أو يرغب في الحصول على خدمة بعينها. 

ربما حان الوقت للشركات التي توفر الهواتف الذكية أو تستغلها للتراجع والاطلاع على كيفية رغبة المستهلكين في استخدامها. فالأجيال الشابة أصبحت ترجح الاتجاهات التقليلية وتتوق إلى اختبار المشاعر “البدائية” التي لم يتسن لهم التعامل معها، والمتمثلة في التخلي عن الهواتف الذكية والعودة إلى الهواتف ذات الدخول المحدود على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

على صعيد آخر ارتفعت مبيعات عدد من الهواتف غير الذكية مع تنامي الوعي بضرورة التخلص من السموم الرقمية. وتشير بعض المنصات التي تركز على المساعدة في تحسين الأمن السيبراني إلى أنه في عام 2018 أفاد ما يقرب من 37% من الآباء في جنوب شرق آسيا بأن أطفالهم تعرضوا للتنمر الإلكتروني، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض النفسية والميول الانتحارية لدى الأطفال منذ سنٍ مبكرة. 

وفي المقابل تظهر التقارير أيضًا زيادة عالمية في مبيعات الهواتف الذكية، من 400 مليون وحدة في عام 2019 إلى مليار وحدة في عام 2021.

مع ذلك يعتقد بعض الخبراء أن ثمة توجهًا لدى شركات التواصل الاجتماعي لتحقيق سيطرة أكبر للمستخدم على الوقت الذي يرغب في قضائه على الإنترنت، ما يعد نصرًا ضئيلًا للحملات الموجهة ضد استغلال وسائل التواصل الاجتماعي للمسخدمين. 

اليوم تحدد منصات مثل فيسبوك خوارزميًّا ما يظهر على صفحتك استنادًا إلى المحتوى الذي تفضله وتتفاعل معه، ويمكن للمرء حذف منشور لا يرغب في رؤيته، وإلغاء متابعة الأشخاص الذين يروجون للسلبية، ويتعرف النظام الأساسي تلقائيًّا على تفضيلاتك. يمكن للمرء أيضًا غفوة الأصدقاء لمدة 30 يومًا ووضع هواتفهم في وضع الطيران. بهذه الطريقة يمكن الحصول على عطلة للاندماج في العالم الحقيقي.

يقول بعض من جربوا التخلي عن الهواتف الذكية إن الخطوة الجذرية المتمثلة في إسقاط الهاتف الذكي لصالح هاتف غبي يتم اتخاذها عندما يواجه المرء صدمة في الحياة، أو حسرة، أو فشلًا في مهمة أو علاقة أساسية بسبب الإفراط في استخدام الهاتف والانغماس التام والمتواصل في الفضاء السيبراني.

مهما كان السبب تظل الحقيقة أن كثيرين اليوم أصبحوا يفضلون أن يكونوا “أغبياء” على أن يكونوا “أذكياء” بشكل مصطنع.

شارك هذا المقال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة ب *

أدخل كلمات البحث الرئيسية واضغط على Enter